للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الذين آمنوا، فإنما دعوا بما به (يدعى) من لم يحصل له الإيمان ولا اتصف به، وبشروا إن آمنوا، ثم أخبروا ثانياً بالحاصل لهم بياناً لمضمن البشارة الأولى وإخباراً لهم بغاية الجزاء، فالآية الثانية بيان وتفصيل لما أجمل في الآولى، مرتب عليه وآت بعده بما يجب فيما يأتي فيه الإجمال والتفصيل، فكأنهم قالوا: ما الرزق الكريم؟ فقيل لهم: جنات النعيم، فورد كل من الآيتين على ما يجب ويناسب، ولا يلائم ما ورد من الجزاء في الآية الثانية - على تمهيد - ما وقع دعاء أو خطاباً في الأولى، ولا ما بني على الآية الأولى أن وقع إخباراً في الثانية، بل ورد كل على ما يجب، والله أعلم.

الآية السادسة من سورة الحج قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)، وفي سورة لقمان: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ) (لقمان: ٣٠)، للسائل أن يسأل عن التأكيد بزيادة ((هو)) في سورة الحج وسقوطه من سورة لقمان؟

ووجه ذلك، والله أعلم: أن سورة الحج ورد فيها ما يستدعي هذا التأكيد بالضمير المنفصل ويناسبه، وهو تكرر الإشارة إلى آلهتهم والإفصاح بذكرهم تعريفاً بوهن مرتكبهم وشنيع حالهم، وأوضح هذا المتكرر وأشده ملاءمة الإتيان بهذا الضمير المعد فصلاً أو مبتدأ قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: ٣١)، وقوله في آخر السورة: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: ٧٣)، فهذه الآية والتي ذكرنا قبلها أنسب شيء لقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج: ٦٢)، فورد قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) الآية بناء على قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ)، وتمهيداً وتوظئه لما وبخوا به بعدها وقرعوا مما لا يجدون عليه جواباً من قوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (الحج: ٧٣) إلى قوله: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الحج: ٧٤). (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (الحج٦٢)، فتأمل عظيم هذه المناسبة والتئام هذه الآية العظيمة، ولو لم تتقدم الآية المتقدمة من قوله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) (الحج: ٣١) الآية لكانت الأخيرة وهي قوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) (الج: ٧٣) والتقديم والتأخير مما يرتكبه العرب كثيراً، ويوجد في فصيح كلامهم، ومن نحو هذه الآية التي بنينا مفهومها على تقدير التقديم والتأخير قوله تعالى في سورة البقرة: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) (البقرة:

<<  <  ج: ص:  >  >>