للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم» (١). هب عن بريدة، ويدخل في الوعيد كل من ركن إلى ظالم وإن لم يرفع منه شيئا؛ لعموم قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}، وقراءة القرآن أو غيره عنده تُعدُّ ميلًا وركونًا، قال السمين: ولما كان الركون إلى الظالم دون مشاركته في الظلم، واستحق العقاب على الركون دون العقاب على الظلم أتى بلفظ المس دون الإحراق، وهذا يسمى في علم البديع: الاقتدار؛ وهو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارًا على نظم الكلام، وركن من بابي علم وقتل، قرأ العامة (٢): {وَلَا تَرْكَنُوا} بفتح التاء والكاف ماضيه ركِن بكسر الكاف من باب علِم، وقرأ قتادة (٣) بضم الكاف مضارع: ركَن بفتح الكاف من باب قَتَل، والمراد بالظالم: من يوجد منه الظلم سواء كان كافرًا أو مسلمًا.

[تعلُّق الكلم بعضه ببعض]

التنبيه الثالث: اعلم أن كل كلمة تعلقت بما بعدها، وما بعدها من تمامها لا يوقف عليها كالمضاف دون المضاف إليه، ولا على المنعوت دون نعته ما لم يكن رأس آية، ولا على الشرط دون جوابه، ولا على الموصوف دون صفته، ولا على الرافع دون مرفوعه، ولا على الناصب دون منصوبه، ولا على المؤكد دون توكيده، ولا على المعطوف دون المعطوف عليه، ولا على البدل دون المبدل منه، ولا على (أنَّ، أو كان، أو ظن) وأخواتهن دون اسمهنَّ، ولا اسمهنَّ دون خبرهنَّ، ولا على المستثنى منه دون المستثنى، لكن إن كان الاستثناء منقطعًا فيه خلاف: المنع مطلقًا لاحتياجه إلى ما قبله لفظًا، والجواز مطلقًا؛ لأنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، الثالث التفصيل فإن صرح بالخبر جاز، وإن لم يصرح به فلا. قاله ابن الحاجب (٤) في أماليه. ولا يوقف على الموصول دون صلته، ولا على الفعل دون مصدره، ولا


(١) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص:١٤٠)، رقم (٣٥٢)، المصنف لابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٩) رقم (١٠٠٤٨)، الحلية لأبي نعيم (٤/ ١٩٩).
(٢) أي: جمهور القراء متواترًا، أي: العشرة أئمة المجمع على تواتر قراءتهم، وليس بينهم خلاف فيه.
(٣) وهي قراءة غير متواترة وريت أيضا عن طلحة والأشهب. انظر هذه القراءة في: الإعراب للنحاس (٢/ ١١٦)، الإملاء للعكبري (٢/ ٢٦)، البحر المحيط (٥/ ٢٦٩)، الكشاف (٢/ ٢٩٦).
(٤) عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية، كردي الأصل، ولد في أسنا (من صعيد مصر)، ونشأ في القاهرة، وسكن دمشق، ومات بالأسكندرية، وكان أبوه حاجبا فعرف به، من تصانيفه: الكافية -في النحو، والشافية -في الصرف، ومختصر الفقه - استخرجه من ستين كتابا، في فقه المالكية، ويسمى: «جامع الأمهات»، والمقصد الجليل -قصيدة في العروض، والأمالي النحوية، ومنتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل -في أصول الفقه، ومختصر منتهى السول والأمل، والإيضاح -في شرح المفصل للزمخشري، والأمالي المعلقة عن ابن الحاجب، (ت٦٤٦ هـ). انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ٢١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>