فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المسألة

الرابعة عشرة

المتشددون ينكرون

ذِكْرَ الله كثيرا ويمنعون الأوراد

قال المفتي (ص127): «بعد أن حاصر المتشددون أغلب المسلمين في حياتهم وسلوكهم ومساجدهم ذهبوا ليحاصروهم في خلواتهم ومجالس ذكرهم لله - سبحانه وتعالى -، فنهوا الناس عن ذِكْر الله بأعداد كثيرة، ونهوا كذلك عن ذكر الله بالأوراد والأحزاب ....

ومن وسائل محافظة المسلم على كثرة الذكر هو أن يُلزم نفسه بورد معين يحافظ عليه كل يوم وليلة، إلا أن المتشددين رفضوا ذلك أيضًا كما رفضوا كثرة الذكر، ولا نعلم أحدًا ينهى عن الذكر من مريدي الخير».

الجواب:

أولًا: مِن أين جاء المفتي بتلك الاتهامات؟!! مَن مِن السلفيين رفَضَ كثرة الذكر؟ ومَن مِنهم نهى عن ذكر الله؟!! ومَن مِنهم نهى الناس عن ذِكْر الله بأعداد كثيرة، ومَن مِنهم نهى الناس عن ذكر الله بالأوراد والأحزاب؟!!

نريد من المفتي البينة على هذا الادعاء!!!

ثانيًا: يؤمن السلفيون – كما يؤمن جميعُ المسلمين - أنّ ذِكْرَ الله - سبحانه وتعالى - على وجه العموم مشروع ومستحب في جميع الأوقات لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الأحزاب: 41ـ42). وقال تعالى: { ... وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 35).

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ»، قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» (رواه الإمام أحمد والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني والأرنؤوط).

ولا بأس أن يُلْزِمَ المرء نفسه بأوراد من أذكار بأعداد معينة تحصيلًا للأجر العظيم، وترطيبًا للسان، وتزكية للنفس، شريطة أن لا يعتقد أي فضيلة لهذه الأعداد التي لم تَرِدْ في السُّنة، وإنما يفعل ذلك من باب ضبط الوقت، وكذلك أن لا يعتقد أن المداومة على هذه الأعداد سُنَّة راتبة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -.

ومن تأمل حال السلف الصالح وجد أن أكثرهم كانوا يُلزمون أنفسهم بأوراد من الصلوات والأذكار والقراءة زائدة على ما ورد في السنة المطهرة ويحتجون على مشروعيتها بعمومات الكتاب والسنة الواردة في فضل الذكر والصلاة وغيرهما، ومن يطلع على سِيَرِهم رضوان الله عليهم يقف على صحة ذلك (1).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَأَمَّا مُحَافَظَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَوْرَادٍ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَمَا سُنَّ عَمَلُهُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ كَالْمَكْتُوبَاتِ: فُعِلَ كَذَلِكَ.


(1) راجع كتاب سير أعلام النبلاء أو تاريخ الإسلام للإمام الذهبي.

<<  <  ج: ص:  >  >>