فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونظرية (جواز التعبد بالخلاف) التي يتبناها في زماننا عوام فسدت فطرتُهم بفعل التربية المعوجة ما هي إلا صدًى لقول سلفهم: «من قلَّد عالمًا لقي الله سالمًا»، مع فارق وهو أن الأولين كانوا يلزمون مذهبًا واحدًا لا يحيدون عنه. أما هؤلاء فقد تركوا الحبل على الغارب، وأطلقوا لأهوائهم العِنان حتى تظفر بمرادها في زلة عالم، أو رخصة متكلفة، أو قول شاذ ملفق دون أي اعتبار لمخالفة العالم غير المعصوم لقول المعصوم - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:4).

لقد وصف لنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - دواءَ داءِ الفرقة والاختلاف في قوله: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ... » الحديث» (1)، فالسُّنَّة تجمع المتفرقين، وتُوحّدُ المختلفين.

ولقد جعل الله - عز وجل - الإجماع حجة معصومة من الضلال، فلا يصح أن نجعل ما يُضَادُّه وهو الاختلاف حُجةً أيضًا، بل علينا أن نردد مع ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله: «الخلاف شر» (2).وما أحسن قول حافظ المغرب الإمام أبي عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى: «الاختلاف ليس بحجةِ عند أحدٍ علِمْتُه من فقهاء الأمة إلا مَنْ لا بصرَ له، ولا معرفةَ عنده، ولا حجةَ في قوله» (3).

وشتان بين أن يقع اختلاف بين العلماء المخلصين في طلب الحق، المجتهدين في تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ بين مضاعفة الأجر مع الشكر وبين الأجر الواحد مع العذر، وبين من يتتبع الزلات، ويتحكم بالتشهي، ويرجح بالهوى، فيئول حاله إلى البطالة، ورقة الدين، ونقص العبودية» (4).


(1) رواه أبو داود وابن حبان، وصححه الألباني.
(2) رواه أبو داود، وصححه الألباني.
(3) جامع بيان العلم وفضله (2/ 109).
(4) عودة الحجاب (3/ 457 - 458).

<<  <  ج: ص:  >  >>