فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- علم صناعة الحديث لا ينفك عن الفقه لأنه الغاية:

وعلى هذا جرى الأئمة الكبار، فمع كونهم يشترطون شروطًا للحديث الصحيح كما عُرِفَ من طريقة البخاري، إلا أنه يحتج بالحديث، وإن لم يكن على شرطه، بل ولا مقارب له، لاعتبارات لا يعلمها إلا الفقيه.

قال الحافظ: "لأن كتاب البخاري -كما تقدم تقريره- لم يقصد به إيراد الأحاديث نقلاً صرفًا؛ بل ظاهر وضعه: أنه يجعل كتابًا جامعًا للأحكام وغيرها، وفقهه في تراجمه، فلذلك يورد فيه كثيرًا الاختلاف العالي، ويرجِّحُ أحيانًا، ويسكت أحيانًا؛ توقُّفًا عن الجزم بالحكم، ويورد كثيراً من التفاسير، ويشير فيه إلى كثير من العلل، وترجيح بعض الطرق على بعض، فإذا أورد فيه شيئًا من المباحث لم تستغرب" (1).

وإليك بعض الأمثلة:

قال رحمه الله: "باب كراهية الصلاة في المقابر".

قال الحافظ في"الفتح": "وكأنه أشار إلى أن ما رواه أبو داود والترمذي في ذلك ليس على شرطه، وهو حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، رجاله ثقات لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان" (2).

وقال الإمام البخاري رحمه الله: "ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه".

قال الحافظ: "أخرجه مسلم، وأصحاب السنن من رواية أبي نضرة عنه، قيل: وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض، لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه، وهذا عندي ليس بصواب؛ لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه


(1) انظر فتح الباري: (12/ 325).
(2) انظر فتح الباري: (1/ 529).

<<  <  ج: ص:  >  >>