<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

من هنا جاء تبرير الاستعمار، وأن الرجل الأبيض المتفوق حضاريا يسعى إلى تحضير وتحديث الشعوب المتخلفة ونقلها إلى جنته.

وقد ظل الفكر الحداثي «هو الفكر الذي أُوكل إليه أو أوكل إلى نفسه مهمة إعادة تركيب النسيج الثقافي الاجتماعي العربي والإسلامي وفقا لنموذج أرقى، النموذج الغربي المكتمل للتاريخ للثقافة للمجتمع للعلمنة للدولة الأمة» (1).

وحاولت جوقة العلمانيين العرب القفز على هذه الحقائق وتسويق علمانيتهم كفهم تنويري تجديدي للإسلام، مرفقة ذلك بهجمة شرسة على الإسلام وأصوله وأحكامه، وتصوير مخالفيهم من العلماء الرسميين والإسلاميين بمثابة قطيع أو حثالة من الناس دوغمائيين متحجرين متزمتين لا عقلانيين متعطشين للدماء، خارج التاريخ وفوق الواقع.

والنقد في الخطاب العلماني دائما يتوجه إلى «الأنا» أي: إلى ذلك الموروث الثقيل الخرافي المكبل للحركة وللتقدم. وينسى أو يتناسى ذاك «الآخر» الغربي المترصد الباحث عن الهيمنة والسيطرة والإلحاق الحضاري. فالتراث هو الشيطان الأكبر، بل والوحيد، وهو الظلام الدامس الغارق في كل أصناف الرجعية والتخلف. والنور الوحيد والأمل الوحيد هو ذاك الغرب بفكره التنويري الحداثي، ولا يهم أنه هو الذي احتل أرضنا ونهب ثرواتنا وقسم بلادنا ولازال يعرقل حركتنا ويساند عدونا ويتآمر على مصالحنا.

والعلمانية ليست فصل الدين عن الدولة فقط كما يروج عدد من العلمانيين تسترا وتزييفا، بل هي كما سيأتي مفصلا فلسفة عامة للوجود، لها رؤية


(1) الخطاب العربي المعاصر (14).

<<  <  ج: ص:  >  >>