للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والقول بإمكان وقوع الخطأ بالتأول، مع التنبيه عليه، أصوب. وهو مذهب الحنفية (١)، وقد اختاره الآمدي، ونقله عن الحنابلة وأصحاب الحديث وجماعة من المعتزلة، وأكثر المتكلمين (٢).

ومن أدلة وقوعه قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وقصة استغفاره - صلى الله عليه وسلم - للمشركين، وقيامه على قبور المنافقين.

ولما ورد في قصة أسرى بدر (٣)، من أمره - صلى الله عليه وسلم - باستئسار الأسرى، ثم مفاداتهم بإشارة أبي بكر رضي الله عنه، حتى نزل قول الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} (٤).

ونحن نرى أن الخطأ الذي وقع، على القول بإمكان صدوره، أن الله تعالى أمر في سورة القتال في حق العدوّ قبل الإثخان بأمر واحد محدّد: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق} (٥) وحالة القتال في بدر كانت داخلة في هذا الحكم، إذ كان المسلمون فقراء، مستضعفين، محتقرين، لا يرهبهم أحد من العرب وخاصة أهل مكة. وكان ذلك يؤلّب العرب عليهم، ويجعلهم مطمعاً لكل أحد. فكان تأسيس الهيبة والرهبة، التي تكف العدوان عنهم، لا بد فيه من ضرب الرقاب وامتناع الأسر حتى يحصل الإثخان. وكان شدّ الوثاق، وتجميع الأسرى، مخالفاً للنص. فكان الأسر ومفاداة الأسرى اجتهاداً، وكان الحامل عليه ما قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هم أهلك وعشيرتك، ولعلّ الله أن يهديهم؛ وما أشار إليه (تريدون عرض الدنيا) أي الفدية. وهذا عمل بالقياس أو المصلحة في مقابلة النص. ومن أجل ذلك وقع العتاب فيه، واستحق العاملون به العقاب. قال الله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق


(١) كشف الأسرار علي البزدوي ٣/ ٩٢٩ وتيسير التحرير - كتاب الاجتهاد.
(٢) الأحكام ٤/ ٢٩١
(٣) روضة الناظر بتعليق بدران ٢/ ٤٢١
(٤) سورة الأنفال: آية ٦٨، ٦٩
(٥) سورة محمد (القتال): آية ٤

<<  <  ج: ص:  >  >>