للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السادس: قال بعض الأصوليين: أن يكون الفعل لو لم يكن واجباً لكان ممنوعاً (١)، كالركوع الثاني في صلاة الكسوف (٢). فإنه لو زيد في الصلاة ركوع قصداً، ولم يكن من أركانها، كصلاة الظهر، فإنها تبطل، فلما زيد في صلاة الكسوف ركوع قصداً، كان ذلك الركوع واجباً، لا يجوز الإخلال به.

ومثاله أيضاً: سجود السهو، فإنه لو لم يكن واجباً لما جاز.

قال الأسنوي (٣) بعد ذكره هذه القاعدة: "هكذا ذكر (الرازي) في المحصول، وتبعه على ذلك من بعده" أقول: بل قد سبق إلى تقرير هذه القاعدة القاضي عبد الجبار، كما في المغني (٤)، وخصّ ذلك بالعبادات، قال: "لو أنه - صلى الله عليه وسلم - تعمّد فعلاً لو لم نجعله شرعياً لكان منهياً عنه في العبادة، فيجب أن يعلم أنه من شرائط تلك العبادة، نحو ما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - ركع ركوعين في صلاة الكسوف".

وتقرير الدليل: أن الفعل. كالختان مثلاً، هو ممنوع منه بحسب الأصل، لأنه نوع من الجراح، وقد ورد النهي عن دم الغير بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام". فلا يجوز ارتكاب هذا التحريم إلا بأمر ملزم. وهو الوجوب.

فدار هذا الفعل بين الوجوب والتحريم لا غير. وحين فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - علمنا أنه ليس محرماً، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يفعل المحرم، فلم يبق إلا أنه واجب، وهو المطلوب.

ومن جهة أخرى: يلزم لإجراء عملية الختان كشف العورة، وذلك محرم، والمحرّم لا يجوز ارتكابه إلاّ لواجب (٥).


(١) ذكر ذلك السيوطي في الأشباه والنظائر (ص ١٤٨)، وجعله قاعدة فقهية بعنوان (الواجب لا يترك لسنة) و (جواز ما لو لم يشرع لم يجز، دليل على وجوبه).
(٢) أبو شامة: المحقق ق ٣٥ أ، ابن السبكي: جمع الجوامع ٢/ ٩٨ أبو الحسين البصري: المعتمد ص ٣٨٦
(٣) التمهيد ص ١٣٤
(٤) ١٧/ ٢٧٢
(٥) انظر تقرير المسألة والاستدلال فيها في المجموع للنووي في فصل الختان من الجزء الأول.

<<  <  ج: ص:  >  >>