للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعبودية عيسى، عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. فكيف لا تكون أفعال أفضلهم وأكرمهم وأتقاهم لله، قدوة ومثالاً يحتذى، وهو خاتمهم الذي جعل للناس كافة رسولاً؟ وكان خاتماً للرسل، فهو نبي جميع العصور اللاحقة حتى تقوم الساعة.

ومعلوم أن أفعاله يقتدى بها من حيث هي دليل على أحكام الله، لا لذاتها من حيث إنها أفعاله، وكونه (مثلاً أعلى) إنما هو في شدة تمسّكه بما أمره به ربه، وشدة متابعته للمنهج الذي رسمه له. وقد وضّح - صلى الله عليه وسلم - هذا عندما قال لمن أبي الاقتداء به في حكم ديني، محتجاً بأن الله يحل لرسوله ما شاء: قال له: "لكني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي" فأشار إلى أنه قدوة من حيث كونه أعلى الناس في تقوى الله، مع كونه أعلمهم بأحكام الله. وقال لبعض الصحابة: "أما لكم فيّ أسوة" (١) وكلام المستشرق الآنف الذكر يوهم أن المسلمين جعلوه - صلى الله عليه وسلم - مثلاً أعلى تحتذى أفعاله لذاتها، على اعتبار أنه إن فعل شيئاً أصبح شرعاً، ولو لم يقصد به التشريع. وهذا لم يذهب إليه أحد من المسلمين، إلا بعضهم في أفعال محدودة سنبيّنها في موضعها إن شاء الله. بل أكثر كلام الأصوليين في باب الأفعال دائر حول تمييز ما هو دليل على الحكم الشرعي مما ليس بدليل.

وقد حقّق الاقتداءُ به - صلى الله عليه وسلم - مستويات عالية في الإيمان والإخلاص والجهاد والعلم والعبادة والدعوة، تمثّلت في أشخاص الصحابة الكرام، وفي المجاهدين المخلصين لله في كل عصر وجيل من أجيال أهل الإسلام. ولا تزال هذه القدوة العظيمة تنبت أبطالاً في كل عصر، يكونون شجىً في حلوق أعداء الله. وكأنّ الله عز وجل يشير إلى هذا بقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... } إلى قوله: { ... ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً} (٢).


(١) رواه مسلم ٥/ ١٨٦
(٢) سورة الفتح: آخر السورة.

<<  <  ج: ص:  >  >>