للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حجك فاصنعه في عمرتك" (١). فقد أمره بنزع الطيب واللباس، لكنه - صلى الله عليه وسلم - سكت عن أمره بالفدية لما مضى قبل السؤال من استعماله بعض محظورات الإحرام، وهو الطيب واللباس، وكان المظنون أن يأمره بذلك، قياساً على حلق الشعر الذي تجب فيه الفدية بالنصّ القرآني. ولو كان عالماً لوجبت عليه الفدية. فقد يدل ذلك على سقوط الفدية عمن لبس أو تطيب جاهلاً بالتحريم.

المثال الثاني: ما في حديث أبي هريرة في قصة الأنصاري الذي وطئ في نهار رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتكفير، وسكت عن بيان حكم المرأة. فاستدل بذلك بعض الفقهاء على أن المرأة لا يجب عليها لذلك كفارة.

وقد قال السمعاني: "مجرّد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور، كما يدل عند من يذهب إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة. وإنما هو بحسب الحال، وقيام الدليل عليه.

ثم قال: ومراتب الاستدلال بالسكوت -يعني عند من استدل به- تختلف، فأقوى ما تكون دلالة السكوت على سقوط ما عدا المذكور، إذا كان صاحب الحادثة -يعني المستفتي- جاهلاً بأصل الحكم في الشيء، ولم يكن من أهل الاستدلال" (٢). اهـ.

وجعل السمعاني من ذلك المثال الأول. فإن ذاك الأعرابيّ الذي يجهل أنّ لبس الجبة واستعمال الطيب، على المحرم، حرام، لحري أن يكون جاهلاً بحكم الفدية لو كان عليه فدية، فإن من جهل تحريم اللبس فهو بالفدية أجهل. فلما لم يذكرها - صلى الله عليه وسلم - له، دلّ على أنه لا فدية عليه أصلاً.

وقد عهد من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إن عرف من حال السائل أنه يجهل بعض الأحكام التي يحتاج إليها أنه يذكرها له وإن لم يسأل عنها. فمن ذلك أن قوماً سألوه: "أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: "البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" فأفادهم


(١) مسلم ٨/ ٧٨
(٢) البحر المحيط للزركشي ٢/ ٢٥٩ أ.

<<  <  ج: ص:  >  >>