للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد يمنع من الإجابة مانع.

والموانع مختلفة (١).

١ - منها: أن يقف عن الجواب لمهلة النظر. فقد كان له حق الاجتهاد في القضايا والنوازل، كما تقدم اختياره وإثباته، في موضعه. والمجتهد يحتاج أحياناً إلى وقت للنظر والتدبر.

٢ - ومنها: أن يكون السائل قد سأل عما لم يقع. فيترك جوابه لعدم الحاجة إلى البيان حينئذٍ، ولإشعار السائل بتكلّفه وتعمّقه، وفي ذلك من الكراهة ما فيه.

٣ - ومنها: أن يخاف غائلة الفتوى، من ترتب شرٍّ أعظم من الإمساك عنها، فيترك الجواب ترجيحاً لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. ويمكن أن يحتجّ لهذا النوع، بتركه - صلى الله عليه وسلم - الأمر بنقض الكعبة لحداث عهد قومه بالكفر.

٤ - ومنها: أن يكون عقل السائل، أو عقل بعض السامعين، لا يحتمل الجواب، فيسكت عن جوابه لئلا يكون الجواب فتنة له. قال البخاري: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه". ثم روى حديث عائشة في تركه - صلى الله عليه وسلم - نقض الكعبة.

ولعلّ من هذا ما ورد عن ابن عباس: "أن رجلاً أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظُلّةً تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقلّ. وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلاً. قال أبو بكر: "يا رسول الله بأبي أنت والله لتَدَعَنِّي فَلأعْبُرَنّها". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اعبرها". فعبرها أبو بكر، ثم قال: "أخبرني يا رسول الله، بأبي أنتَ، أصبتُ أم أخطأتُ؟ "، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً قال: "فوالله يا رسول الله لتحدثَنِّي ما الذي أخطأت؟ قال: "لا تقسم" (٢).


(١) ذكر ابن القيم (إعلام الموقعين ٤/ ١٥٧) جملة منها وذكر من ذلك الشاطبي في الموافقات ١/ ٤٧ و٤/ ٣١٣، ٣١٩ أشياء.
(٢) مسلم ١٧/ ٩٣ ورواه البخاري.

<<  <  ج: ص:  >  >>