للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

واعترف بصحته رواية ودراية أئمة هم أرسخ قَدَمًا في العلم، والجمع بين المعقول والمنقول منه كالأئمة المازري والقاضي عياض، وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والحافظ ابن حجر والألوسي المفسر وغيرهم كثير، والذين صَحَّحُوا حديث السحر قالوا: إن ما حدث لِلْنَّبِيِّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نوع من الأمراض والعوارض البشرِيَّةَ التي تجوز على الأنبياء، وأن الأمر لم يخرج عن كونه مَرَضًا جِسْمَانِيًّا وقد رُوِيَ الحديث من طرق بلفظ «حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وما فعله» ولكن قد ورد في بعض الروايات في الصحيح وهي رواية سفيان بن عيينة ما يعين المراد من هذا التخييل، وأنه لم يكن في أمر عقلي ففي هذه الرواية

عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ». قَالَ سُفْيَانُ: «وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ»، ولذلك قال القاضي عياض: «وَقَالَ عِيَاض: يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد [بِالتَّخْيِيلِ] الْمَذْكُور أَنَّهُ يَظْهَر لَهُ مِنْ نَشَاطه مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِق عَادَته مِنْ الاِقْتِدَار عَلَى الوَطْء، فَإِذَا دَنَا مِنَ المَرْأَة فَتَرَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْن المَعْقُود» (١).

وهذا الذي دلت عليه رواية سفيان بن عيينة وشرحه القاضي عياض هو الذي ينبغي أن يصار إليه في فهم هذا الحديث وعلى هذا فلا يكون هناك إخلال بعصمة النَّبِي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينهار ما استشكله المنكرون للحديث.

[٢] وأما أن الحديث يخالف القرآن فغير مُسَلَّمٌ لأن المشركين لم يريدوا بقولهم: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا} (٢) أنه - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - سُحِرَ حتى أدركه بعض التغيير أيامًا ثم شفاه الله وإنما أرادوا أنه يصدر عن خيال وجنون في كل ما يقول ويفعل وأن ما جاء به ليس من الوحي فغرضهم إنكار رسالته، ورميه بالجنون وهذا أمر واضح جَلِيٌّ لكل من تتبع النصوص القرآنية التي تعرضت لهذا، فالغرضان مختلفان والموضوعان متباينان


(١) " الفتح ": ١٠/ ١٨٦.
(٢) [سورة الإسراء، الآية: ٤٧] و [سورة الفرقان، الآية: ٨].