للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما ربا النسيئة (١) الذي هو بيع، فقد عرفه الحنفية بأنه: فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدين في المكيلين أو الموزونين عند اختلاف الجنس (٢)، أو في غير المكيلين أو الموزونين عند اتحاد الجنس (٣)، أي أن يباع الجنس الواحد ببعضه، أو بجنس آخر مع زيادة في الكيل أو الوزن في نظير تأخير القبض، كبيع صاع من الحنطة بصاع ونصف يدفع له بعد شهرين، وكبيع صاع من القمح بصاعين من الشعير يدفعان له بعد ثلاثة أشهر، أو بدون زيادة كبيع رطل من التمر ناجز تسليمه برطل آخر من التمر مؤجل التسليم، وهذه أمثلة المكيل أو الموزون عند اختلاف الجنس أو اتحاده. وأما مثال غير المكيل أو الموزون عند اتحاد الجنس فهو بيع تفاحة بتفاحتين أو سفرجلة بسفرجلتين لشهر مثلاً (٤). ففي كل هذه الأمثلة يوجد ربا النسيئة لاشتماله على زيادة في أحد العوضين بدون مقابل، وأما سبب التحريم عند التساوي قدراً فهو بسبب الزيادة في القيمة، إذ لا يقبل أحد العاقدين عادة


(١) سماه ابن القيم الربا الجلي: وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فيقول الدائن للمدين عند حلول الأجل: أتقضي أم تربي؟ وهذا هو الربح المركب.
(٢) أي وكذا عند اتحاد الجنس من باب أولى.
(٣) البدائع: ٥ ص ١٨٣، رد المحتار: ٤ ص ١٨٤ ومابعدها.
(٤) إن الزيادة المادية التي سيحصل عليها البائع بعد مدة كانت في مقابل تسليم المشتري في الحال مداً من الحنطة. وهذا هو المقصود بفضل الحلول على الأجل أي أن المال المدفوع في الوقت الحاضر أكثر أهمية من المدفوع في المستقبل، وأما المقصود بفضل العين على الدين فهو أن الشيء المعين بذاته يكون أكثر أهمية من الشيء المعين بنوعه إذ قد يختلف هذا عن الوصف، وقد لا يقوم البائع بتسليم ما يجب عليه، كما في شراء كمية محددة المقدار غير معينة الذات من القمح أو السكر أو نحوهما في مقابل مقدار معين من الشعير مثلاً، فالمبيع في هذه الحالة يكون من قبيل الدين لا العين، والثمن هوالعين. وبه يتبين أن المساواة بين البدلين في العينية مطلوبة احترازاً عن شبهة الفضل الذي هو ربا، لأن العين خير من الدين، وإن كان حالاً، ولهذا لم يجز أداء زكاة العين من الدين، واشتراط التعيين مأخوذ من نص الحديث «يداً بيد» لأن اليد آلة التعيين، كالإحضار والإشارة، كما أن شرط المماثلة مأخوذ من قوله «مثلاً بمثل» فأصبح التعيين في البدلين الربويين أمراً مطلوباً، لتحقيق المساواة بينهما، كما أن تعيين أحد البدلين شرط لجواز كل بيع، احترازاً عن الدين بالدين الذي هو نسيئة بنسيئة، وهو ربا.

<<  <  ج: ص:  >  >>