للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الحنفية: إن حد القذف فيه حقان: حق للعبد، وحق لله تعالى، إلا أن حق الله تعالى فيه غالب؛ لأن القذف جريمة تمس الأعراض، وفي إقامة الحد على القاذف تتحقق مصلحة عامة: وهي صيانة مصالح العباد، وصيانة الأعراض، ودفع الفساد عن الناس (١).

وقال الشافعية والحنابلة: إن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف؛ لأن القذف جناية على عرض المقذوف، وعرضه حقه، فكان البدل (وهو العقاب) حقه، كالقصاص (٢).

ويترتب على هذا الخلاف: أنه بناء على القول الأول، وهو مذهب الحنفية: لا يصح للمقذوف إسقاط الحد ولا الإبراء منه والعفو عنه، ولا الصلح والاعتياض عنه (أي بعد أن يرفع الأمر إلى الحاكم، أما قبل ذلك فيسقط بالعفو) ولا يجري فيه الإرث، ولكن يسقط بموت المقذوف؛ لأن الإرث إنما يجري في المتروك من ملك أو حق للمورث، لقوله عليه السلام: «من ترك مالاً أو حقاً فهو لورثته» (٣) وحد القذف ليس حقاً للمورث عندهم، وإنما هو حق لله تعالى في غالبه، فلا يرثه


(١) فتح القدير: ١٩٤/ ٤، البدائع: ٥٦/ ٧، حاشية ابن عابدين: ١٨٩/ ٤، المبسوط: ١١٣/ ٩.
(٢) المهذب: ٢٧٤/ ٢ وما بعدها، الميزان: ١٦٠/ ٢ وما بعدها، المغني: ٢١٧/ ٨، ٢١٩، ٢٣٠، ٢٣٣، ٢٣٦.
(٣) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: «من خلّف مالاً أو حقاً فلورثته، ومن خلف كلاً أو ديناً، فكله إلي، ودينه علي» وفي لفظ: «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإلينا» وعن سلمان عند الطبراني بنحو حديث أبي هريرة وزاد: «وعلى الولاة من بعدي من بيت مال المسلمين» وفي إسناده عبد الله بن سعيد الأنصاري متروك، وعن أبي أمامة عند ابن حبان في ثقاته. وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من ترك كلاً فإلي، ومن ترك مالاً فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل منه، وأرثه، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه». (راجع نصب الراية: ٥٨/ ٤، التلخيص الحبير: ص ٢٥١، نيل الأوطار: ٢٣٨/ ٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>