<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد نَبَّهَ الحافظ في " الفتح " (63) إلى أن قوله (وَلاَ أَكْتُبُ) قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية، قال: تُحُدِّثَ عند أبي هريرة بحديث، فأخذ بيدي إلى بيته فأرانا كتباً من حديث النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: هذا هو مكتوب عندي.

ونقل عن ابن عبد البر قوله: حديث همام أصح - أي في أنه لا يكتب -، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بَعْدُ. ولكن الحافظ مال إلى أقوى منه فقال: لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه. انتهى.

ولكن هذا بطبيعة الحال يؤيد ما ذهب إليه الدكتور الصالح من أن الكثير من النصوص الحديثية عرف طريقه إلى التدوين في زمن الرسالة الأول.

وهذا كاف في دحض دعوى المستشرقين بأن الحديث النبوي الشريف لم يدون إلا في مطلع القرن الثاني.

مَوْقِفُ المُسْتَشْرِقِينَ مِنْ تَدْوِينِ الحَدِيثِ:

ولأجل هذا المعنى عقد الدكتور الصالح فصلاً في كتابه ينتقد فيه الذين يجرون وراء المستشرقين أمثال جولدتسيهر Goldziher، وسوفاجيه Sauvaget لينقلوا عنهم الاعتراف بالتدوين المبكر للحديث، في حين أن «كتبنا وأخبارنا ووثائقنا التاريخية لا تدع مجالاً للشك في تحقق تقييد الحديث في عصر النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفسه، وليس على رأس المئة الثانية للهجرة كما يمن علينا هذان المستشرقان - عبارته - وهي تنطق - فوق ذلك - بصدق جميع الوقائع والأقوال والسير والتصرفات التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السنة جميعاً، لا في بعضها دون بعض كما يظن Dozy دوزي» (64).

وهكذا نجد أن عالمنا الصالح متسلح باطلاع واسع على ما كتبه المستشرقون بلغتهم حول السُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، ولكن هذا الاطلاع كان بعين الناقد البصير. ويقيناً هو لم يطلع على كتاباتهم لمجرد النقد فقط، ولكنه، على ما تواتر عنه، كان بحاثةً يتمثل الحديث القائل: «الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ» (65)، فهو طالب حكمة ومعرفة، ولكنه مع هذا لا يلغي عقله ولا شخصيته، ولا يجعل هذا الاطلاع على حساب انتمائه وهويته.


(63) ج 1 / ص 250.
(64) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص: 23 و 24.
(65) أخرجه الترمذي: [" السُنن "]: آخر حديث في كتاب العلم. حديث رقم 2687.

<<  <  ج: ص:  >  >>