<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الأحاديث الواردة في شأن تدوين العلم، حثاً عليه أو نهياً عنه، إنما كانت أثراً من آثار تَسابُقِ أهل الحديث في جانب وأهل الرأي في جانب آخر إلى وضع الأقوال المؤيدة لنزعتَيْهم المتباينتين» (79).

ولو أُخذ بهذا الكلام لكانت النتيجة أن كل ما دُوِّنَ من نصوص كان يخضع [للمزاجية] والمذهب. وهذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على جهل هؤلاء المستشرقين بأصول النقل العلمي عند علماء المسلمين، وكيف أنهم في قواعد النقد التي أصلوها للمرويات وللرواة، كانوا ينظرون في جملة ما ينظرون إليه مدى موافقة الرواية لمذهب الراوي، وبخاصة فيما يتعلق برواية المبتدع، فقد وضعوا لقبول روايته شروطاً منها أن لا تكون روايته تؤيد بدعته.

فمن يضع مثل هذه القواعد لا يمكن أن يتهم بأنه ما دُوَّنَ إلا ما يؤيد رأيه، وكأن الشريعة من وضع البشر لا من وضع رب البشر.

فهؤلاء الذين قالوا هذا الرأي فيما دون من العلم يرون «أن أهل الحديث ينزعون إلى جواز تقييد السنة ليكون مستنداً بين أيديهم لصحتها والاحتجاج بها، وأهل الرأي - على العكس- ينزعون إلى النهي عن الكتابة، وإثبات عدم تقييد العلم، تمهيداً لإنكار صحته وإنكار الاحتجاج به» (80). وكأن القضية تسابق على اتباع هوى لا على اتباع حكم.

وقد تأثر بما كتبه جولدتسيهر بعض الباحثين (81)، وتأثر هو ببعضهم من مثل سلفه المستشرق (شبرنجر Sprenger) وبخاصة بعد اطلاعه على مقاله في " نشأة الكتابة وتطورها "، وشبرنجر هذا هو الذي اكتشف سنة 1855م كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي (82)، ولكن الدكتور الصالح لاحظ الفروقات بين مَنْهَجِ المُسْتَشْرِقََيْنِ وأنهما يختلفان اختلافاً جوهرياً في هذا الموضوع، «أما شبرنجر فقد استنتج من نشأة الكتابة عند العرب، ومن خلال النصوص الواردة في الكتاب المذكور أن الحديث لا بد أن يكون قد دون منه الكثير في عهد الرسول - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان هذا ما يعنيه بالذات.

وأما جولدتسيهر فقد ارتاب في صحة جميع تلك النصوص، ورأى أن بعضها وضعه أهل الحديث، والبعض الآخر وضعه أهل الرأي» (83).


(79) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 27.
(80) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 27.
(81) من مثل (روث مكنسون Ruth mackenson) في دراستها: " كتب عربية ومكتبات في العصر الأموي". ينظر: " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 27 حاشية.
(82) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 27.
(83) " علوم الحديث ومصطلحه " ص 28.

<<  <  ج: ص:  >  >>