<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وكذلك عند الكلام على الصوفية وأثرهم في حركة الوضع في الحديث (117)،أورد عبارة للإمام يحيى بن سعيد القطان يقول فيها: «مَا رَأَيْتُ الكَذِبَ فِي أَحَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الخَيْرِ [وَالزُّهْدِ]».

ومع أن العبارة ليست على ظاهرها، إذ كيف يُنسَبُ إلى الخير ثم يكذب؟! وإنما يقصد بالكذب هنا: الخطأ، وهو المشهور من مصطلح المتقدمين. لأن هؤلاء الذين نُسبوا إلى الخير، وهم الصوفية، شغلهم التزهد عن ضبط الرواية فكثر عندهم الخطأ في الرواية.

ولما كان المستشرقون لا معرفة لهم بهذه المصطلحات، فإن بعضهم - وهو المستشرق نولدكه - «وجد في مثل هذه العبارة مادةً صالحةً للتعليق، والتعقيب، مع أنها تشير إلى دقة المقاييس النقدية عند رجال الحديث».

وهكذا نجد إمامنا لا يكاد يفوت فرصة ممكن أن يبين فيها خطأًُ لمستشرق، أو حتى صواباً، إلا وابتهلها.

هذا ويلاحظ المتابع لردود الدكتور الصالح على المستشرقين أنها كلها في مباحث نظرية بحتة من علوم الحديث، وليس فيها شيء من المباحث التقنية " المصطلحات "، وهذا من العلامات الدالة على أسبقية الأمة المسلمة في وضع هذا المنهاج العلمي لنقد المرويات، فلو كان عندهم من هذا شيء لحاكموا مصطلحنا إلى مصطلحهم، ولكن لما لم يكن عندهم من ذلك شيء، سَلَّمُوا لنا مصطلحنا، بل واقتبسوه وأعملوه في مروياتهم، فجاء من ذلك العجب!!.

شُبْهَةٌ وَرَدُّهَا:

مع هذا كله وُجِدَ من يقول إن منهج النقد عند المسلمين ركز على الشكل (السند) وأهمل المضمون (المتن) (118). «أو كما يقولون: يُعنى بالأسانيد ولا يبالي بالمتون».

وللرد على هذه المغالطة ختم الشهيد الدكتور الشيخ صُبْحِي الصَّالِحْ - رَحِمَهُ اللهُ - كتابه " علوم الحديث " ببحث مستفيض دحض فيه هذه الشبهة وأتى من الأدلة الدامغة ما فيه الغنية «لمن ألقى السمع وهو شهيد» (119). وقد تكلم فيه عن الفرق بين (التدليس) وبين (الكذب) ليبين خطأ ما ذهب إليه جولدتسيهر من طعن متعمد في الروايات الحديثية، فَرَدَّ عَلَيْهِ من كلام أقرانه من المستشرقين «وَالحَقُّ مَا


(117) " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 290.
(118) كتب في هذا الموضوع الدكتور صلاح الدين الإدلبي كتابه " منهج نقد المتن عند [علماء الحديث النبوي] " فأتى فيه بما شفى وكفى.
(119) " علوم الحديث ومصطلحه " ص 311. وقد استغرقت الخاتمة من ص 309 إلى ص 320 من الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>