<<  <  ج: ص:  >  >>

المكرمة، لينفي ما يزعمه البعض عن جهل العرب بالكتابة، مستدلين باعتماد العرب على الحافظة دون التدوين. فنقد بعض الأخبار الواردة، ومنها أنه ما كان في مكة قبيل البعثة «إِلاَّ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ» (9)، مُعْتَبِرًا «أَنَّ هَذِهِ الأَخْبَارَ إِذَا صَحَّتْ أَسَانِيدُهَا، لاَ تَبْلُغُ أَنْ تَكُونَ إِحْصَاءً دَقِيقًا أَوْ اسْتِقْرَاءً شَامِلاً» (10)، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ سِوَى «دَلاَلَةً ظَنِّيَّةً غَامِضَةً لاَ يَحْسُنُ مَعَ مِثْلِهَا القَطْعَ فِي هَذَا المَوْضُوعِ الخَطِيرِ» (11).

كما انتقد ولع المؤرخين بعبارة يرددونها دائماً: «وكانت الكتابة في العرب قليلة» (12).

وإن كنا «لا نملك من الحجج والبراهين العقلية والنقلية ما نؤكد به كثرة القارئين الكاتبين في تلك الفترة من حياة العرب» (13)، على ما قاله، إلا أنه يعتبر أن «لا شيء يدعونا إلى الغلو في أمر الكتابة واعتقاد كثرتها في شبه الجزيرة العربية، إلا أن يصيبنا ـ وهذه عبارته ـ من الجهالة العمياء ما يغرينا باتباع المستشرقين الذين يزعمون أن وصف العرب العرب بالأميين في القرآن لا ينافي معرفتهم القراءة والكتابة» (14).

[أُمِيَّةُ النَّبِيِّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -]: (*)

لقد أدرك - رَحِمَهُ اللهُ - بنظره الثاقب وعقله الحر أن مقولة المستشرقين في تفسير أمية النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأمية أمته، الهدف منها إثبات أن النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعرف القراءة والكتابة، وبالتالي فهو مطلع على كتب الأمم السابقة، وما القرآن إلا جمعٌ وتبويبٌ لتلك المعارف. واختاروا من تفسير الإمام الطبري لـ (الأميين) عند قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} (15) ما مفاده أَنَّ الأُمِّيَّ عندهم هو الذي «يجهل الشريعة الإلهية»، فوجدوا في هذا التأويل «مُبَرِّرًا لزعمهم أنَّ ... رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان كاتبًا قارئًا، وأن وصفه بالأمية ـ كوصف العرب بها ـ لا ينافي معرفة القراءة والكتابة» (16)، فقال - رَحِمَهُ اللهُ -: «وكان يحسن بالمستشرقين أن يقرؤوا " تفسير الطبري " في الصفحة نفسها ليروا أنه يُضَعِّفُ هذا الرأي» (17). ثم اعتبر «أن هذا الربط المضطرب بين الأمي عندما يوصف به النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبين الأميين وصفاً للعرب ليس من المنطق في شيء، لأنه تجزئة لا مُسوِّغ لها


(9) المرجع السابق، وينظر لزاما ما قاله تعليقا.
(10) المرجع السابق نفسه.
(11) المرجع السابق نفسه.
(12) حاشية المرجع السابق.
(13) المرجع السابق " ص: 2.
(14) المرجع السابق نفسه.
(15) الآية 78 من سورة البقرة.
(16) علوم الحديث ومصطلحه: ص 2.
(17) حاشية المرجع السابق.

<<  <  ج: ص:  >  >>