<<  <  ج: ص:  >  >>

2 - حديث عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر عن رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فقالت عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)؛ [وَلكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ]: (إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَقَالَتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]. متفق عليه.

زاد مسلم: «إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، وَلاَ مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ».

والجواب عن هذا: أنه ليس من إنكار خبر الواحد، لكن من باب التثبت والاحتياط لضبط الحديث، فهذا عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يقول: «إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ ... » وحديث تعذيب الميت ببكاء أهله رَدَّتْهُ عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - اجتهادًا منها كما هو ظاهر، لكن الحديث وارد في معنى صحيح يتحمل فيه الميت مسؤولية ذلك مثل أن يوصي أهله بالبكاء عليه كما كان يفعله أهل الجاهلية، يؤيد ذلك أن في رواية عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لفظ الحديث: «بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ».

فظهر بذلك أنه لا إشكال على حجية خبر الواحد الصحيح عند الصحابة الكرام.

[د] دَلاَلَةُ العَقْلِ عَلَى حُجِّيَّةِ الوَاحِدِ:

وحقيقة ذلك أن الاحتجاج بخبر الواحد الصحيح أمر بدهي تقضي به الفطرة، لا يحتاج إلى كثير من الاستدلالات والبراهين، فما من إنسان إلا وهو يعول في إبرام شؤونه في العمل أو التجارة أو الدراسة أو غيرها على ما يخبره به واحد موثوق من الناس، حيث يقع في نفسه صدق المخبر، ويغلب على احتمال الغلط أو احتمال الكذب، بل إن الشؤون الكبرى في مصير الأمم يعتمد فيها على أخبار الآحاد المعتمدين، كالسفراء، أو المبعوثين من قبل الحكومات، فالتوقف عن قبول خبر الواحد يفضي إلى تعطيل الدين والدنيا.

اشْتِبَاهُ تَرْكِ الفَقِيهِ لِلْحَدِيثِ:

تردد في بعض الأبحاث نسبة ترك الحديث إلى الفقهاء، وربما عَبَّرَ بعض الكاتبين بما لا يفهم حقيقة موقف الأئمة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ -، بل إن بعضهم ربما صدر عنه مثل هذا لأنه لم يحتمل أن يرى عند أحد من الأئمة فهمًا أو استنباطًا غير فهمه هو، وقد جازف بعضهم فزعم أن «الأحاديث التي خالفوا أوامره - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها التي لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف كما قال ابن حزم». هكذا بصيغة الألوف جمع الكثرة لا (الآلاف) جمع القلة.

وهذا قول غريب جِدًّا، فهل ترك أئمة الإسلام كل أحاديث الأحكام؟؟ ثم ها هي ذي مصادر تخريج أحاديث الأحكام التي هي موضوع نظر الفقهاء ليخبرونا كم بلغت فيها عدة هذه الأحاديث؟؟.

إن القضية في واقع الأمر أن الإمام المجتهد قد يجد أمامه من الأدلة ما يجعله يقدم -على الدليل الذي بين يديه دليلاً أقوى منه، أو يفهم منه معنى غير الذي أخذ به غيره أو استنبطه من النص.

وأسرد لذلك ثلاثة أمثلة أشرح بها للأخوة القرّاء مواقف المجتهدين، فيتذكروا بذلك ما يجب تجاه أئمة هذا الدين، ولا يغتر أحد بما يردد من القيل حول هذه القضية من هجر الفقيه للحديث الصحيح، أو ادعاء أنه لم يطلع على الحديث. وهي أمثلة لفقهاء كبار من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين.

<<  <  ج: ص:  >  >>