<<  <  ج: ص:  >  >>

وحاصله أنه لم يَدْرِ كَمْ يَسْتَمِرُّ المَجْلِسُ، فلو توقف الملك على التفرق لأدى إلى الغرر، وقد ثبت تحريم بيع الغرر بالسنن الصحيحة والإجماع. لذلك قالوا: إن المراد من الحديث إلا أن يتفرقا بأقوالهما، وذلك بأن يتم الإيجاب والقبول، ولفظ الحديث يتحمل هذا المعنى فعملوا بالحديث عليه للأدلة التي عرفتها، وهذا لا يجوز أن يجعل تَرْكًا لِلْسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

أَثَرُ الخَبَرِ الآحَادِي الصَّحِيحِ فِي العَقِيدَةِ:

نمهد لهذا البحث ببيان مراتب العلم الذي يستفاد من الدليل المعمول به في الشريعة: وهي ثلاث مراتب:

1 - العلم اليقيني القطعي: وهو ما ثبت بالأدلة القطعية اليقينية، كنص القرآن الكريم والحديث المتواتر، والحكم العقلي الذي لا يقبل رَدًّا، لكونه مِنَ المُسَلَّمَاتِ، مثل: «الثَّلاَثَةُ أَكْثَرُ مِنَ الاثْنَيْنِ»، وكون «الاثْنَيْنِ نِصْفُ الأَرْبَعَةِ». وهذا النوع يعرفه كل متعقل، ولو لم يكن من أهل الاختصاص العلمي في المسألة.

والدليل الذي يثبت هذا العلم يجب قبوله والاعتقاد به وَيُكَفَّرُ جَاحِدُهُ، لأنه لفرط ظهور قطعيته صار مِنَ المُسَلَّمَاتِ المَقْطُوعِ بِهَا. وصارت الوسائط كأن لم تكن، وصار المطلع عليه كالسامع من النبي نفسه سواء بسواء، فيكون منكره مُكَذِّبًا بِالنَّبِيِّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

2 - العلم النظري: وهو علم يقيني، لكن ليس ضروريًا، أي ليس ظاهرًا لكل أحد، إنما هو علم نظري استدلالي، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في العلم، لتبحر الباحث في علم الحديث وفي أحوال الرواة والعلل ...

3 - علم غلبة الظن، والمراد بها: إدراك رجحان صدق القضية ووقوع ذلك في القلب موقع القبول، وذلك في كل قضية دَلَّ دليل صحيح على ثبوتها، لكن بقي احتمال مغلوب بعدم الثبوت، لم يقطع الدليل ذلك الاحتمال، فهذا الاحتمال لا يمنع من القبول، وربما يظنه بعض الناس ولا سيما العوام يَقِينًا، لعدم تفريقهم بين الأمرين، وإنما هو علم قائم على الشعور القوي بصحة القضية، وهذا يجب العمل به والأخذ بمقتضاه في الأحكام، كما أوضحنا فيما سبق، وهو في الواقع نوع من العلم، كما قال بعض الأصوليين. إنه إدراك الطرف الراجح. وهو ملزم أَيْضًا، لكن العلماء نَبَّهُوا على هذا الاحتمال الضعيف الذي في هذا النوع والذي لا يلتفت إليه، ليأخذ حكمه المناسب، بإزاء المرتبتين السابقتين.

بعد هذا البيان لمراتب العلم فإني أرى أَيْضًا استكمال التمهيد بأن أقسم خبر الواحد الصحيح إلى قسمين:

القسم الأول: خبر الواحد الصحيح من حيث هو. أي لم تحتف به قرائن تقويه.

القسم الثاني: خبر الواحد الصحيح الذي احتف بقرائن تقويه، وترتفع به عن غلبة الظن.

وهذا التمهيد في الواقع مُهِمٌّ جِدًّا لتسهيل فهم البحث على القارئ ووضوح الرؤية فيه، كي لا يتوهم من البحث ما لا يقصد من سياق العبارات.

عِبَارَاتٌ مُوهِمَةٌ فِي أَثَرِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ:

وقع في بعض النشرات التي صدرت في بيان حكم الحديث الصحيح عِبَارَاتٌ مُوهِمَةٌ، تحتاج إلى تحرير المراد منها، نسوق للقارئ بعض النماذج منها فيما يلي:

<<  <  ج: ص:  >  >>