<<  <  ج: ص:  >  >>

التعميم، كما أنه لم يميز بين ما احتف بالقرائن وبين ما لم يحتف، ولم يوضح الوجه الذي حصل به عدم أخذهم بالحديث الصحيح الآحادي في العقائد؟!

2 - يؤخذ من العبارات عدم التمييز بين الخبر الآحادي الصحيح المحتف بالقرائن وبين المجرد عنها، حيث يذكر كلام العلماء في أن الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم ويجعل هذا شاهدًا على إفادة الحديث الصحيح للعلم بتعبير مطلق لم يقيده بأنه محتف بالقرائن، كما يلاحظ أن التقديم الملخص لفكرة النشر التي نناقشها، يذكر اختيار إفادة الحديث الصحيح المتلقى بالقبول عند الأمة للعلم، ومضمون النشرة تارة يتقيد بذلك وتارة لا يتقيد وهو الأكثر.

3 - في العبارة رقم /6/ ينسب القول بإفادة الخبر الآحادي العلم إلى الشافعي ومالك وأصحاب أبي حنيفة، دون تقييد بكونه تلقته الأمة بالقبول، بينما كلام الإمام الشيرازي الشافعي واضح بأن هذا الحكم إنما هو للحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، وكذلك صرح أبو يعلى الحنبلي بأن على هذا أَيْضًا المذهب أي مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رَحِمَهُ اللهُ - تعالى.

ونحرر فيما يلي البحث في هذه النواحي، بتحقيق يضع كل جزئية في موضعها الصحيح إن شاء الله تعالى:

أَثَرُ الخَبَرِ الصَّحِيحِ المُجَرَّدِ فِي العَقِيدَةِ:

المعروف أن الخبر الآحادي الصحيح الذي لم تتلقه الأمة بالقبول، ولم يحتف بقرائن تُقَوِّيهِ لا يفيد العلم اليقيني، بل يفيد علم غلبة الظن، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وجماهير علماء أصول الفقه، وعباراتهم في ذلك أكثر من أن تحصر.

وذهب ابن حزم وبعض أهل الحديث إلى أنه يفيد العلم، ونسب ذلك الباجي إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد للإمام مالك.

لكن في هذه النسبة إشكال: فقد رأيت من كلام القاضي أبي يعلى الجزم بأن مذهب الإمام أحمد إنما هو في إفادة الخبر المتلقى بالقبول للعلم، خِلاَفًا لمن لم يقيده بذلك، وكذلك نازع المازري ابن خويز منداد فيما نسبه لمالك (29)، وكتب أصول الفقه المالكي واضحة في اتجاه المازري. وقد استنكر الأصوليون أصل هذا المذهب، وَأَوَّلُوا مَا عُزِيَ مِنْهُ لِلأَئِمَّةِ؛ قال الإمام الغزالي (30): «خَبَرُ الوَاحِدِ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّا لاَ نُصَدِّقُ بِكُلِّ مَا نَسْمَعُ، وَلَوْ صَدَّقْنَا وَقَدَّرْنَا تَعَارُضَ خَبَرَيْنِ فَكَيْفَ نُصَدِّقُ بِالضِّدَّيْنِ وَمَا حُكِيَ عَنْ المُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ العِلْمَ فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُوبِ العَمَلِ؛ إذْ يُسَمَّى الظَّنُّ عِلْمًا». أي لكن لا يراد به المعنى الاصطلاحي الذي شرحناه من قبل.

فالحقيقة أن مستقر هذه الفكرة هو مذهب الظاهرية، وقد قال بها بعض العصريين وَرَجَّحَهَا تَبَعًا لميله إلى ابن حزم الظاهري.

وليس مراد الجمهور من قولهم: «لاَ يُفِيدُ العِلْمَ» أنه لا يلزم تصديقه كما قد يتوهم، بل مرادهم أنه ليس بمنزلة المتواتر لأن المتواتر يفيد عِلْمًا قَاطِعًا يَقِينِيًّا لا يخطر في البال وجود أي احتمال للخطأ فيه، مهما كان الاحتمال ضعيفًا، مثل واحد من مليون. أما خبر الواحد فيفيد الصدق والقبول، لكن يقع في ذهن الباحث العالم أنه قد يحتمل وقوع الخطأ أو الكذب فيه، لما سبق أن الثقة ليس معصومًا من الذنب، وليس وصفه بالضبط يعني أنه لا يخطئ، بل يعتبر ثقة إذا كانت أوهامه


(29) " تدريب الراوي ": ج 1 ص 75.
(30) " المستصفى ": ج 1 ص 145. وانظر " شرح مسلم الثبوت ": ج 2 ص 121.

<<  <  ج: ص:  >  >>