<<  <  ج: ص:

«أما عند غير الشيخ أبي بكر الجصاص فظاهر، وأما عنده فلأن قطعيته نظرية، فقد دخل في حيز الإشكال، وما قيل إنه لم يبق على هذا ثمرة للخلاف، ففيه أن الثمرة عنده لما كان قَطْعِيًّا يعارض الكتاب وينسخه جميع أنحاء النسخ، بخلاف الجمهور ... ».

ومن هنا نفهم المراد من إطلاق عبارات بعض الأصوليين حين يقولون: «خَبَرُ الوَاحِدِ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ».

وقول بعضهم: «لاَ تَثْبُتُ بِهِ العَقِيدَةُ» فإن مرادهم أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني القطعي الذي يفيده نص القرآن والخبر المتواتر القطعي، إنما يفيد مع القرائن العلم النظري، وإنه بالتالي لا تثبت به العقيدة أي التي هي فرض مثل أركان الإيمان في أنه يكفر جاحدها، لكن يجب الاعتقاد به قولاً واحدًا كما ذكرنا من قبل، ويضلل منكره.

أَنْوَاعٌ مِنَ الحَدِيثِ تُفِيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ:

وفي الختام نذكر للقارئ أنواعًا من حديث الآحاد الذي يفيد العلم النظري لاحتفافه بالقرائن:

1 - الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول، كما مر في أكثر من موضع. وألحق به الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي الخبر المشهور كما ذكرنا، وذلك بمعنى الشهرة عند الحنفية. واستدل لرأيه باستحالة أن تتفق عليه الأمة ويكون خطأ لأنه يصير مُجْمَعًا عَلَيْهِ (40)، وغيره من الحنفية يقولون إنه يفيد علم الطمأنينة بسبب هذا التواتر والتلقي، وهذا قريب جِدًّا من القول بأنه يفيد العلم النظري، لأنهم قالوا إنه قد يعرض فيه الشك كما سبق.

ومن هنا نجد للحنفية مُسْتَمْسَكًا بجعل المشهور قِسْمًا مُنْفَرِدًا، لأنه استقل بهذه المزية في قوة الاحتجاج.

2 - المشهور عند علماء الحديث، وقد سبق تعريفه، وذلك إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة والعلل.

3 - المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غَرِيبًا، مثل حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي سلسلة الذهب. فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، بما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم.

فإذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة ازداد قوة وبعد عما يخشى عليه، وصار مُفِيدًا للعلم عند العالم المتبحر كما ذكرنا من قبل (41).

وبهذا نكون قد وفينا مسألة أثر الحديث الصحيح في العمل والعقيدة حقها من البيان في حدود ما يسمح به المجال ههنا، وظهرت بذلك منهجية أئمة العلم في إعطاء كل نوع من الحديث ما يطابق وضع رتبته تمامًا، من غير تشدد ولا غلو، خِلاَفًا لما يذهب إليه المتهوكون من الحكم على الناس بالكفر لأي مخالفة تبدر من الإنسان، ومن غير إجحاف بحق الدليل الشرعي وما يجب على المسلم نحوه.

الدكتور نور الدين عتر.


(40) " فواتح الرحموت " ج 2 ص 111 وهذا المستند تبناه بعد ذلك ابن القيم في الاستدلال على إفادة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول للعلم النظري.
(41) " نزهة النظر شرح نخبة الفكر " للحافظ ابن حجر: 45، 46.

<<  <  ج: ص: