<<  <  ج: ص:  >  >>

وللضبط مقياس دقيق وضعه العلماء، عَوَّلُوا عليه في كشف مستوى حفظ الراوي للحديث، وهو كما لخصه الإمام ابن الصلاح (6): «أَنْ نَعْتَبِرَ - أي نقايس - رِوَايَاتِهِ بِرِوَايَاتِ الثِّقَاتِ الْمَعْرُوفِينَ بِالضَّبْطِ وَالإِتْقَانِ، فَإِنْ وَجَدْنَا رِوَايَاتِهِ مُوَافِقَةً - وَلَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى - لِرِوَايَاتِهِمْ، أَوْ مُوَافِقَةً لَهَا فِي الأَغْلَبِ وَالْمُخَالَفَةُ نَادِرَةُ، عَرَفْنَا حِينَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطًا [ثَبْتًا]، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ كَثِيرَ المُخَالَفَةِ لَهُمْ، عَرَفْنَا اخْتِلاَلَ ضَبْطِهِ، وَلَمْ نَحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ».

فإذا اجتمع في الراوي هذان الركنان: العدالة والضبط فهو حجة يلزم العمل بحديثه إذا استوفى الحديث بقية شروطه، ويطلق على الراوي حينئذ «ثِقَةٌ». وذلك لأنه تحقق فيه الاتصاف بالصدق، وتحلى بقوة الحفظ الذي يمكنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، فتحقق أنه أدى الحديث كما سمعه فصار حجة، وإذا اختل فيه شيء من خصال الثقة كان مردود الحديث بحسب الاختلال الذي لحقه.

وتحقيق هذين الشرطين في توثيق الراوي يستدعي استيفاء النظر فيه من جميع وجوه البحث في الرواة، وتتركز في وجهين يجمع كل واحد منهما عَدَدًا من علوم الحديث وقواعده:

الوجه الأول: البحث في الراوي من حيث تحديد شخصه، أي بعبارة عصرنا تحصيل ما يسمى الآن بطاقة شخصية «تَذْكِرَةُ هَوِيَّةٍ» للراوي، وذلك من ناحيتين:

- الأولى: ناحية اسم الراوي واسم أبيه وقبيلته ونسبته وتمييزه عما يشابهه في شيء من ذلك من أسماء الرواة، وذلك بدراسته في ضوء مجموعة علوم تدرس الرواة من هذه الناحية تبلغ ثلاثة عشر عِلْمًا في أصولها، سميتها علوم أسماء الرواة.

الناحية الثانية: تحديد شخص الراوي من حيث وجوده الزماني والمكاني، وذلك بمجموعة علوم نُسَمِّيهَا "علوم الرواة التاريخية "، يبلغ عدد أصولها عشرة أنواع من العلوم.

الوجه الثاني: البحث في الراوي من جهة العلوم التي تُعَرِّفُ بحاله من حيث القبول أو الرد.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الاِتِّصَالُ:

أي اتصال السند: ومعناه أن يكون كل واحد من رواة الحديث قد تلقاه ممن فوقه من الرواة من أول السند حتى يبلغ التلقي قائله.

وهذا الشرط يستدعي البحث من جهتين:

الأولى: بحث السند من حيث الاتصال أو الانقطاع، فإذا كان مُتَّصِلاً بقانون أي نوع من أنواع الاتصال - وهي خمسة أنواع - كان مقبولاً إذا ثبت استيفاؤه بقية الشروط، أما إذا كان مُنْقَطِعًا بموجب أي قانون من قوانين أنواع الانقطاع - وهي ستة أنواع - كان غير مقبول.

الجهة الثانية: قوانين الرواية وهي خمسة أنواع من العلوم الحديثية، ولها صلة وثيقة بالاتصال لأن بعض طرق تحمل الحديث لا يعتبر الحديث به متصل السند، مثل الوجادة، كما أن المقبول منها درجاته متفاوتة، فَضْلاً عن دلالة هذه العلوم على جانب التوثيق السابق فيما يتبين من تطبيق الراوي لها بدقة، أو تساهله فيها، وبيان مدى ذلك التساهل.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَكُونَ الحَدِيثُ شَاذًّا:

الحديث الشَاذُّ هو ما رواه الثقة مُخَالِفًا لمن هو أوثق منه بمزيد ضبط، أو كثرة عدد.

وينقسم إلى قسمين: شاذ المتن، وشاذ السند.


(6) في كتاب " علوم الحديث ": ص 95، 96.

<<  <  ج: ص:  >  >>