<<  <  ج: ص:  >  >>

والسبب في اشتراط عدم الشذوذ أن الثقة إذا خالفه من هو أقوى منه كان ذلك دليلاً على أن هذا الثقة قد وهم في رواية هذا الحديث.

وقد يقال: ما فائدة هذا الشرط طالما أننا اشترطنا في الراوي أن يكون ضابطًا؟.

والجواب أن الضبط ملكة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وَهْمٌ في بعض ما يرويه، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ.

الشَّرْطُ الخَامِسُ: أَلاَّ يَكُونَ الحَدِيثُ مُعَلاًّ:

والحديث المُعَلَّلُ هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحة الحديث مع أن ظاهره السلامة منها. وهو على قسمين: معلل السند، ومعلل المتن.

وهذا الشرط يفيد في خلو الحديث من أي وصف قادح في صحة الحديث يكون الحديث بحسب الظاهر سليمًا منه.

وتعبيرنا بقولنا «وَلاَ مُعَلاًّ» موافق لعبارة ابن الصلاح، وهو أصح وأدق من تعبير غيره بقوله: «مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلاَ عِلَّةٍ» وهو تعبير درج عليه بعض العصريين، وذلك لأن كلمة «عِلَّةٍ» تطلق على نوعين، علة قادحة، وعلة غير قادحة كما هو مُقَرَّرٌ في أصول الحديث، فلم يكن التعبير بـ «عِلَّةٍ» صريحًا في المراد، أما المُعَلَّلُ فلا يكون إلا مُتَضَمِّنًا في باطنه وَصْفًا قَادِحًا في صحة الحديث.

وهذان الشرطان الأخيران يستوجبان بحث الحديث من ناحية متنه على ضوء علوم المتن كلها، وذلك لأنه لا يمكن الحكم على المتن بالشذوذ أو الإعلال أو بسلامته منهما إلا بعد دراسته من جميع الوجوه، وقد تكفلت بذلك علوم المتن.

كذلك يستوجب هذان الشرطان بَحْثَ الحديث من ناحية تفرد الراوي به أو عدم تفرده؛ وأنه قد تعدد رواته، وهل التعدد وقع من الرواة مع الاتفاق في المروي أو مع الاختلاف في المروي، وهو بحث يشترك فيه السند والمتن، وفيه ثلاث مجموعات من علوم الحديث هي:

أولاً: تفرد الراوي بأي نوع من أنواع التفرد.

ثانيًا: مجموعة علوم تعدد رواة الحديث مع اتفاقهم.

ثالثًا: مجموعة علوم تعدد رواة الحديث مع اختلافهم.

وربما يتوهم بعض الناس الاكتفاء بالحديث المعلل عن المجموعة الثالثة وتضم عشرة أنواع من علوم الحديث، منها الحديث المعلل؟ لكن هذا ليس صحيحًا، لأن أسباب القدح في الحديث المعلل كثيرة، تستنبط من الأنواع الأخرى لاختلاف الروايات سَنَدًا أَوْ مَتْنًا، ويستعان بها للتوصل إلى إعلال الحديث.

وهكذا اشتملت شروط الحديث الصحيح على اختبار الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا من جميع جوانب البحث، واتضح بطلان ما وقع في كلام بعض المستشرقين من ادعائهم أن المحدثين ينظرون في نقدهم للحديث إلى الشكل فقط، فقد تبين من هذا البحث الموجز كيف احتاج الحُكْمُ بتصحيح الحديث إلى إعمال كل قواعد المصطلح، وأن هذه القواعد تعنى بدراسة المضمون «المَتْنِ» من جميع الجهات كما تعنى بدراسة السند أَيْضًا.

وقد أصبح هذا الشرح والفهم العميق الكلي للحديث الصحيح مُيَسَّرًا بنتيجة ما وُفِّقْنَا

<<  <  ج: ص:  >  >>