<<  <  ج: ص:  >  >>

إليه بفضل الله تعالى من التوصل إلى صياغة هذا العلم صياغة جديدة تدرس قواعده في شكل نظرية نقدية متكاملة، تتألف فيها أنواع علوم الحديث، وتدرس كل مجموعة من المجموعات التي سبق أن ذكرناها في باب مستقل بعد أن كانت مفرقة مختلطة ببعضها، وتنتقل بقواعد هذا العلم من التجزيء إلى التكامل، ومن المسائل المتفرقة التي قد يظن أنها وضعت دون غاية إلى النظرية المتناسقة التي تجلو دقة علم المصطلح وشموله، وقد أبرزنا ذلك ههنا في شرح تعريف الصحيح بإجمال يلقي ضَوْءًا على الفكرة العامة لهذه النظرية، ويوضح في نفس الوقت دقة علماء الحديث في هذه الشروط التي جعلوها دليلاً على صحة الحديث وأن رواته أَدُّوهُ كما سمعوه.

وذلك أن العدالة والضبط يحققان أداء الحديث كما سمع من قائله، واتصال السند على هذا الوصف، في الرواة يمنع اختلال ذلك في أثناء السند، وعدم الشذوذ يحقق ويؤكد ضبط هذا الحديث بعينه، وعدم الإعلال يدل على سلامته من القوادح الخفية بعد أن استدللنا بسائر الشروط على سلامته من القوادح الظاهرة، فكان الحديث بذلك صحيحًا لتوفر عامل النقل الصحيح، واندفاع القوادح الظاهرة والخفية، فيحكم له بالصحة بالإجماع.

تَقْسِيمُ الخَبَرِ مِنْ حَيْثُ عَدَدِ رُوَّاتِهِ:

يقسم المحدثون الخبر من حيث عدد رواته إلى أربعة أقسام: (7)

1 - الفرد المطلق، وهو الذي ليس له إلا راو واحد، ويسمى أَيْضًا الغريب سنداً ومتناً.

2 - العزيز، وهو ما رواه اثنان.

3 - المشهور: وهو ما رواه جمع محصور بثلاثة فأكثر ولم يبلغ درجة التواتر.

4 - المتواتر وهو الخبر الذي رواه جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إلى نهاية السند، وكان مستندهم الحس.

أما علماء أصول الفقه فيقسم الجمهور منهم الخبر إلى قسمين:

القِسْمُ الأَوَّلُ: الخَبَرُ المُتَوَاتِرُ:

وقد عرفته.

القِسْمُ الثَّانِي: خَبَرُ الوَاحِدِ أَوْ الآحَادِ:

وهو ما لم يبلغ درجة التواتر، فيشمل أنواع الفرد والعزيز والمشهور.

وأضاف الحنفية قسمًا ثالثًا هو المشهور، وهو عندهم الخبر الذي كان آحادي الأصل، متواتراً في القرن الثاني والثالث مع قبول الأُمَّةِ كما في " مسلم الثبوت ". قال في شرحه " فواتح الرحموت ": «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ خَبَرُ الوَاحِدِ» (8).

وقد تَسَرَّعَ بعض العصريين في النقد لهذا التقسيم عند الحنفية، دون أن يرى لهم وَجْهًا أو عُذْرًا، مما لا نتعرض له هنا، وسنرجع إليه في حينه إن شاء الله تعالى.

وخبر الواحد الذي ذكرنا معناه ليس خَاصًّا بالصحيح، بل هو مشترك بين الصحيح وغيره، وسنفرد البحث هنا لدراسة أثر خبر الآحاد الصحيح دراسة تشمل أثره في العمل أي الأحكام، وفي العلم أي العقيدة. ونبدأ أولاً ببحث أثره في العمل، ثم نبحث أثره في العقيدة، فنقول وبالله التوفيق:


(7) " شرح نخبة الفكر " للحافظ ابن حجر العسقلاني ص 18 - 37 نسخة شرحه للقاري.
(8) ج 2 ص111.

<<  <  ج: ص:  >  >>