للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجهه، وجاء أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان (١) عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا)). وفي رواية قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان مما تقاولت الأنصار (٢) يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين (٣)، فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)). وفي لفظ: أن ذلك في منى وأنهما تدقان وتضربان فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه وقال: ((دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد)) وتلك الأيام أيام منى، وفي رواية لمسلم: ((جاريتان


(١) مِزمارة الشيطان: يعني الغناء أو الدف؛ لأن المزمارة أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي، فقد تشغل القلب عن الذكر، وقيل: المزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذم على ما ظهر لأبي بكر، وهذا إنكار منه لما سمع مستصحباً لما كان مقرراً عنده من تحريم اللهو والغناء جملة، حتى ظن أن هذا من قبيل ما ينكر فبادر إلى ذلك، قياماً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبين له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قررهن على ذلك بعد، وعند ذلك قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((دعهما)) ثم علل الإباحة بأنه يوم عيد، يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس، ويؤخذ من إنكار أبي بكر: أن مواضع الصالحين وأهل الفضل تتنزه عن الهوى واللغو ونحوه وإن لم يكن فيه إثم. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم،٢/ ٥٣٥، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٤].
(٢) مما تقاولت به الأنصار: أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وهذا الغناء: كان في الشجاعة، والقتل، والحذق في القتال، ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبح، قال القاضي عياض: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة، والظهور، والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٣، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤١].
(٣) ((وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز من الغناء المعتاد عند المشهورين به، الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه محاسن النساء، وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق. [المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٣٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٢].

<<  <  ج: ص:  >  >>