<<  <   >  >>

وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونَ} (1)، فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ ...

وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات. فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية ...

وأما الحد على الطريقة الأُخرى (2) فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية. ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأْتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه. وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها ... وقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله] (3).

[وقفات مع تعريف الشاطبي]

[الوقفة الأولى]

قال الشيخ مصطفى بن محمد بن مصطفى: [وقد رجَّح الشاطبي رحمه الله تعالى هذا التعريف الذي يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات (4)، حيث قال: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من سابقة التعبد، لأن مالا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي. فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات والجنايات كلها عادى، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها ... فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من هذا الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا".


(1) الذاريات: 56.
(2) أي على طريقة من يدخل العادات في معنى البدع.
(3) الاعتصام للشاطبي (1/ 36: 42].
(4) وقد وافق في ذلك الغامدي في كتابه حقيقة البدعة وأحكامها (1/ 256).

<<  <   >  >>