للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يعقوب بتلك المهمة، فركب في يوم أول ربيع الآخر ومعه شيوخ الموحدين وعرفاء البنائين لينظروا خير موقع يصلح لتحقيق هذه الرغبة، فاتفق رأيهم على زيادة المدينة من الجهة القبلية، بإنشاء مدينة جديدة متصلة بها من هذه الناحية، ووافق الخليفة على هذا المشروع، وقام العبيد والرجال بهدم سور المدينة من جهة باب الشريعة، ووضعت خطط المدينة الجديدة في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الآخر، واتصل بناء السور حول المواقع الجديدة، وبناء باب الشريعة أربعين يوماً، حتى كمل، وبدأ إنشاء الدور والرباع بسرعة في هذا القطاع الجديد من العاصمة الموحدية (١).

ولم يمض قليل على ذلك حتى وقع بإفريقية حادث مكدر. ذلك أن طوائف العرب من بني سُليم ثاروا على مقربة من مدينة قابس، فسار أبو الحسن على ابن الخليفة ووالي تونس لقتالهم، ودامت الحرب بينهم أياماً، ثم أمر الفرسان الموحدون من أهل الرايات أن ينتقلوا من موضعهم إلى جبل قريب يسمى جبل كسرى، فظن أن هذا الانتقال بسبب الهزيمة، فتركوا عتادهم وفروا منهزمين دون قتال، فلجأ السيد ومن معه إلى الجبل، ولكنهم لم يجدوا به ماء، فلما اشتد بهم العطش كروا على العرب دفعة واحدة، فهزمهم العرب، وأحدقوا بهم وأسروا السيد وأصحابه. (جمادى الأولى سنة ٥٧٩ هـ). ولما علم الخليفة بذلك قرر في الحال غزو بني سليم والانتقام منهم، ولكن لم تمض بعد ذلك سوى أيام قلائل حتى ورد الخبر بأن السيد وأصحابه قد أطلق سراحهم لقاء ما دفعوا من المال، وأنهم وصلوا سالمين إلى تونس (٢).

ومن حوادث هذا العام أيضاً نكبة الخليفة لأبي زكريا بن حيون شيخ قبيلة كومية وابنه على الذي كان مشرفاً على تلمسان، وقبض على أبي زكريا وحوسب مدة، ثم نفي إلى بطليوس بالأندلس، وبقى ابنه علي في السجن، حتى خرج الخليفة إلى الغزو، فأمر بأن يحمل معه مصفداً، ولكنه استطاع الفرار أثناء السير. ومنها فرار الداعية علي بن محمد بن رزين المعروف بالجزيري من مراكش، وكان على مذهب الخوارج الأزارقة يقول بتكفير جميع المسلمين، وتبعه قوم من البربر يقرأون عليه مذهبه، وشاع خبره، وعندئذ خشي بطش ولاة الأمر. ففر من المدينة واختفى حيناً، حتى قبض عليه فيما بعد وقتل أيام الخليفة المنصور.


(١) البيان المغرب القسم الثالث ص ١٢٦.
(٢) البيان المغرب القسم الثالث ص ١٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>