للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي غرة رمضان، جلس بحدائق البحيرة خارج إشبيلية، لتلقي تحيات المودعين، ولما تمت مراسيم الوداع، غادر إشبيلية، ميمماً شطر العدوة، وعبر البحر في الخامس عشر من رمضان، واستمر في سيره حتى وصل إلى حضرة مراكش (١) وما كاد يستقر بها حتى استقبله الشعراء كالعادة بقصائد التحية والتهنئة. فمن ذلك ما قاله شاعره الجراوي:

إياب الإمام حياة الأمم ... توالى السرور به وانتظم

وجاد به الأرض صوب الحيا ... وجلى الظلام به بدر تم

فتوح عظام جناها الزمان ... لذي همم دونهن الهمم

على أن المنصور ما كاد يستريح من وعثاء السير والسفر، حتى دهمه المرض واشتد به، وطال أشهراً حتى خيف منه على حياته. وأشار عليه الأطباء بالانتقال إلى فاس، فحُمل إليها في محفة، واستمر بها أشهراً حتى تماثل إلى الشفاء. ويروي لنا المراكشي بهذه المناسبة أن الخليفة حينما اشتد مرضه، أرسل يستدعي أخاه السيد أبا يحيى والي إشبيلية، وأن أبا يحيى لبث يتلكأ في العود مؤملا أن يموت أخوه، وأنه قام في ظل هذا الأمل باستكتاب بعض أشياخ الجزيرة مساطير لتأييد دعوته؛ فلما برىء الخليفة من مرضه عاد أبو يحيى إلى المغرب. وكان أخوه الخليفة قد وقف على حركته، فأمر بالقبض عليه وقتله، فتولى قتله أخوه لأبيه السيد عبد الرحمن بن يوسف، وذلك بمحضر من الناس (٢). ونحن نلاحظ على هذه الرواية بأنها متأخرة عن موضعها، وأن حادث ائتمار السادة بالخليفة وقع في سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م)، حسبما أشرنا إليه في موضعه، وأن السيد أبا يحيى وهو ولد الخليفة وليس بأخيه، لم يكن بين المتآمرين، الذين عاقبهم الخليفة بالإعدام.


(١) يقدم إلينا صاحب روض القرطاس، رواية أخرى عن غزوة الموحدين للبرتغال واسترداد مدينة شلب، فيقول لنا إن الذي اضطلع بهذه الغزوة هو محمد بن يوسف والي قرطبة، وأنه سار إلى شلب في جيش عظيم من الموحدين والعرب والأندلسيين، حتى نزل شلب فحاصرها، وشد عليها القتال حتى فتحها، وفتح قصر أبي دانس ومدينة باجة ويابرة، ورجع إلى قرطبة فدخلها بخمس عشرة ألف سبية وآلاف من أسرى الروم، وذلك في شوال سنة سبع وثمانين وخمسمائة (ص ١٤٤) وهي رواية ظاهرة الضعف والخلط، خصوصاً وأنها تغفل ذكر المنصور بالمرة وتنسب لغيره قيادة هذه الغزوة.
(٢) المعجب ص ١٥٨ و ١٥٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>