للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يشرف على إصلاحها بنفسه (١)، وعلى الجملة فقد كان عهده زاهراً، وافر الأمن والرخاء.

وكان هشام شديد الورع والتقوى، وكان شغفه بالجهاد وإعلاء كلمة الدين من أخص مظاهر تقواه، وكان ينفق الأموال الطائلة في افتداء أسرى المسلمين، حتى لم يبق في عهده منهم في قبضة العدو أحد، ويرتب في ديوانه أرزاقا لأسر الجند المتوفين في الجهاد (٢). وفي عصره اتخذت السياسة الأموية إجراء يشهد ببعد نظرها، إذ جعلت العربية لغة التدريس في معاهد النصارى واليهود. وكان لذلك الإجراء بالرغم من بساطته، أثر عميق في التقريب بين أصحاب المذاهب المختلفة، وفي بث روح التفاهم والوئام بينها، ولاسيما بين المسلمين والنصارى، وكان من أثره أيضاً أن كثر اعتناق النصارى للإسلام بعد أن وقفوا على أصوله وتفاصيله، وقربت مسافة الخلاف بينهم وبين الفاتحين، ولم يكن ذلك بعيداً في الواقع عن غاية السياسة الأموية (٣).

وكان هشام يؤثر مجالس العلم والأدب ولاسيما الحديث والفقه على غيرها.

وفي عصره ذاع مذهب مالك (٤). وكان الإمام مالك، وهو معاصر لهشام، يعجب بسيرته وخلاله، ويشيد بعدله وتقواه، وكانت تجمع بين الرجلين على بعد المزار عاطفة مشتركة هي بغض بني العباس، وكان قد رحل إلى المشرق عدة من فقهاء الأندلس، منذ أيام عبد الرحمن الداخل، وفي مقدمتهم زياد بن عبد الرحمن، وعيسى بن دينار، وسعيد بن أبي هند، ويحيى بن يحيى الليثي، فدرسوا على مالك بالمدينة، واستقوا من علمه واجتهاده، ونقلوا عنه كتابه " الموطأ "، وذاع مذهب مالك على يدهم في الأندلس في عصر هشام. وكان هشام كثير الإجلال لمالك ومذهبه، فزاد ذلك في ذيوعه وتوطده، وغدا مذهب أهل الأندلس الغالب، وكانوا قبل ذلك يعملون بمذهب الأوزاعي إمام


(١) البيان المغرب ج ٢ ص ٦٨، وابن الأثير ج ٦ ص ٤٩. وما تزال هذه القنطرة العربية قائمة حتى اليوم على نهر الوادي الكبير خلف الجامع الأموي، محتفظة بعقودها القديمة، بالرغم مما توالى عليها من ضروب الإصلاح والتجديد.
(٢) أخبار مجموعة ص ١٢٠.
(٣) راجع Scott: ibid, I.p. ٤٣٣..
(٤) الإمام مالك بن أنس، أبو عبد الله، أحد أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة (٩٥ - ١٧٩هـ) وترجمته في ابن خلكان ج ١ ص ٥٥٥ - ٥٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>