للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عليهم والمطالبة بتجريدهم من دينهم، والعمل على تنصيرهم بطريق الاضطهاد والعنف، وتردد الكنيسة الإسبانية من جانبها هذا التحريض. ولكن هذه السياسة الباغية لم تحدث أثرها إلا ببطىء، ولم يتسع نطاقها إلا فى أواخر القرن الخامس عشر عندما أشرفت الدولة الإسلامية فى غرناطة على نهايتها. وكان قيام مملكة غرناطة فى ذاته، عنصراً من عناصر تكييف السياسة الإسبانية إزاء المدجنين. ذلك أن ملوك اسبانيا فوق ما كان يحدوهم من رغبة المحافظة على مصالحهم وسكينة بلادهم بإيثار الرفق فى معاملة المدجنين، كانوا أيضاً يخشون سياسة الانتقام من النصارى المقيمين فى غرناطة، وفيما وراء البحر فى بلاد المغرب، بل وفى الممالك الإسلامية الأخرى مثل مصر وتركيا. على أن العوامل الاجتماعية والمحلية كانت من جهة أخرى تحدث أثرها فى مجتمع المدجنين. ذلك أنه بالرغم من جميع الفوارق التى كانت تفصل بينهم وبين النصارى، فقد جنح الكثير منهم إلى التشبه بجيرانهم، وانتهوا بمضى الزمن وأثر الاختلاط والتزاوج إلى فقد دينهم ولغتهم، ومميزاتهم الجنسية والقومية، والاندماج شيئاً فشيئاً فى المجتمع الذى يعيشون فيه؛ وهكذا أصبحوا بالتدريج قشتاليين ونصارى، وأضحى علماؤهم يكتبون كتب الدين والشريعة بالقشتالية


= كله أن يعملوه فى عهد وميثاق وصدق. وكل مسلم أن يحبس دار ونار فى أسران المذكور أن يقدم لقائد أسران الذى يكون على الاشبطال المذكور ربع من قمح، النصافة من قمح والنصافة من شعير فى شهر أغشت من كل عام طول الأبد، وكل دار أن يعطى للاشبطال المذكور أربعة مرافق من تين فى كل عام، وكل عامر مسلم ومسلمين فى الموضع المذكور أى يعملوا كل نفقة أن يحتاج فى الموضع المذكور .. " ثم تقول الوثيقة:
"أن يطبخوا المسلمين المذكورة خبزهم فى فرن الإشبطال المذكور عن دايم الدهر، وأن يعطوا من ستة عشر خبزة واحدة، ولا يقطعوا أشجار، ولا يقلعوا كرمان دون أمر قائد أسران .. " يكون جميع خصماتكم لحكمه (أى القمندور) وإن كان تريدوا تعملوا عند حكمه ارتفاع (استئناف) أن تعملوا أمام كل قاضى أن يكون مسلم من تطيلة كما هو سنتكم وشرعتكم، وأن تكونوا أجسامكم وأموالكم ملتزمة للاشبطال المذكور، وذلك بشرط أن لا يكون لأحد منكم أن يخرج من الموضع المذكور، وكل واحد منكم لا يبيع ولا يرهن ميراث الاشبطال لنصرانى أو يهودى. ونص فى نهاية الوثيقة أنها ختمت بخاتم دون بطره غرسيس ملك نبره (نافار)، وأرخت فى الثامن عشر من فبراير سنة أحد عشر وسبعمائة هجرية وهى توافق سنة ١٣١١ م. ووقعها من المدجنين سبعة منهم موسى الليلى المجتى والمراتب بن وليد وعيسى بن موسى ولب يارس دريس. ووضعت أصولها الإسبانية فوق كل عبارة عربية.
ويبدو من مضمون هذه الوثيقة العربية الإسبانية ومن ركاكتها أن المدجنين فى هذه المنطقة من نافار كانوا أقل احتفاظاً بلغتهم وامتيازاتهم وأنهم كانوا قد بدأوا يومئذ يفقدون كيانهم الاجتماعى وامتيازاتهم القديمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>