للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، وخلع عليها بذلك صفتها الملوكية الزاهية. وكان يتمتع بكثير من الخلال الحسنة، من قوة العزم، وبعد الهمة وسعة الأفق، والبراعة السياسية. وكان عالماً أديبا يقرض الشعر، ويؤثر مجالس العلماء، والأدباء (١). ولأول عهده نشط ملك قشتالة ألفونسو العاشر الملقب بالعالم أو الحكيم إلى محاربة المسلمين، وكان مثل أبيه فرناندو الثالث، يرى أن دولة الإسلام بالأندلس قد دنت نهايتها، ويتربص الفرصة بالمملكة الإسلامية الفتية، ويحاول أن يعمل كأبيه للقضاء عليها قبل استفحال أمرها. ولم يكن ملك غرناطة بغافل عن الخطر الذى يتهدده من مشاريع قشتالة. وكان محمد بن الأحمر قد أوصى ولده بالحرص على محالفة بنى مَرِين، ملوك العُدوة والاستنجاد بهم كلما لاح شبح الخطر الداهم (٢). وكان بنو مَرِين وهم الذين استولوا على ملك الموحدين بعد ذهاب دولتهم، يومئذ فى عنفوان قوتهم، وكانت مملكتهم الفتية، تشغل فى نظر الأندلس ونظر اسبانيا النصرانية، نفس الفراغ الذى تركه ذهاب دولة المرابطين ثم دولة الموحدين، وكان من الطبيعى أن تؤدى هذه الدولة الجديدة فى ميدان السياسة والحرب نحو الجزيرة الإسبانية، نفس الدور الذى أدته المملكتان المغربيتان الذاهبتان.

وبنو مَرِين بطن من بطون قبيلة زناتة البربرية الشهيرة، التى ينتمى إليها عدة من القبائل التى لعبت أدواراً بارزة فى تاريخ المغرب، مثل مغراوة ومغيلة ومديونة وجراوة وعبد الواد وغيرهم. ومع ذلك فإن بنى مرين يرجعون نسبتهم إلى العرب المضرية، وذلك بالانتساب إلى بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار. وجدهم الأعلى جرماط بن مرين بن ورتاجى بن ماخوخ (٣). وكانت القبائل المرينية فى بداية أمرها من العشائر البدوية المتنقلة، تجول فى صحارى المغرب الأوسط وهضابه وتسير نحو المغرب الأقصى أيام الصيف. وفى فاتحة القرن السابع الهجرى، نشبت الحرب بينهم وبين بنى عبد الواد، فتوغلوا فى هضاب المغرب، ونزلوا بوادى ملوية الواقع بين المغرب والصحراء وأقاموا هنالك حينا. وكانت قوى الموحدين قد تضعضعت منذ موقعة العقاب (٦٠٩ هـ) (٤)، وسرت إلى دولتهم عوامل


(١) الإحاطة (١٩٥٦) ج ١ ص ٥٦٥.
(٢) الذخيرة السنية ص ١٦٣؛ وابن خلدون ج ٧ ص ١٩١.
(٣) الذخيرة السنية ص ١٠ و ١١ و ١٦.
(٤) الذخيرة السنية ص ٥٢ و ٥٣؛ والاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ج ٢ ص ٣ و ٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>