للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البديعة، وحدائقها ومتنزهاتها اليانعة، من أجمل مدن العصور الوسطى. وكانت غاية فى الحصانة، سواء بموقعها الطبيعى، أو بأسوارها الكثيفة، التى يتخللها ألف وثلاثمائة برج منيع، وكانت تضم فى أيامها الزاهرة من السكان مع أرباضها وضواحيها زهاء نصف مليون من الأنفس، وذلك بما تقاطر عليها من سيل المهاجرين من المدن الأندلسية الأخرى. وكان بوسع العاصمة وقت الحرب، أن تعبىء وحدها زهاء خمسين ألف مقاتل، وكانت أبهاء قصر الحمراء تتسع وحدها لأربعين ألف رجل (١).

وقد رأينا كيف نشأت مملكة غرناطة، على يد رجل ذى عبقرية هادئة، ولكن واسعة الأفق، هو محمد بن الأحمر، زعيم بنى نصر، وكيف استمر أعقابه يتوارثون عرش غرناطة أكثر من قرنين، حتى سقطت فى أيدى النصارى. وتسمى دولتهم بالدولة النصرية أو دولة بنى الأحمر، وقد تسمى زعيمهم ومؤسس دولتهم بأمير المسلمين، وهو اللقب الذى كان يتسم به ملوك العدوة (المغرب) فى تلك العصور، وغلب هذا اللقب على سلاطين غرناطة حتى نهاية دولتهم، وكان يقرن فى أحيان كثيرة بلقب "الغالب بالله".

وكان ملوك بنى نصر، كسائر ملوك العصور الوسطى، يدينون بمبدأ الحكم المطلق، ولا يرون له بديلا. على أنه فى وقت الخطر العام والأحداث الخطيرة، كان السلطان يستعين برأى الزعماء والقادة ذوى العصبية والتوجيه. وكان السلطان يستأثر بكل سلطة حقيقية، ويباشر مهام الأمور بنفسه، إلا فى فترات قليلة يستأثر بالسلطة فيها وزير قوى، كما حدث فى عهد السلطان أبى عبد الله محمد الملقب بالمخلوع (٧٠١ - ٧٠٨ هـ)، حيث استأثر بالحكم وزيره أبو عبد الله ابن الحكيم اللخمى. وعهد السلطان أبى عبد الله محمد بن اسماعيل (٧٢٥ - ٧٣٣ هـ)، حيث استبد بالحكم دونه وزيره ابن المحروق، وعهد أخيه السلطان أبى الحجاج يوسف (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) حيث استبد بالحكم الحاجب أبو النعيم رضوان، ثم فى عهد السلطان الغنى بالله (٧٥٥ - ٧٩٣ هـ) حيث استبد بالحكم حيناً وزيره ابن الخطيب.

وكان نظام الطغيان الذى يفرضه الوزير المتغلب، ينتهى فى كل مرة بانقلاب عنيف، ويستعيد السلطان سلطته الحقيقية، فى غمرة من الحوادث الدموية.

وكان هذا النظام المطلق الذى يسود حكومة غرناطة، يؤدى إلى نشوب الثورة


(١) Prescott: (Cit, Zurita) : Ferdinand and Isabella ; p. ١٨٩

<<  <  ج: ص:  >  >>