للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتبوأ ابن الخطيب فى بلاط ملك المغرب أسمى مكانة. وغص خصوم ابن الخطيب بغرناطة، بنجاته على هذا النحو، فعولوا على ملاحقته وسحق هيبته، فاتهموه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، والطعن فى النبى، والقول بالحلول، وسلوك مذهب الفلاسفة الملحدين، واستندوا فى ذلك إلى بعض أقوال وردت فى رسائله ومقالاته أوّلوها وفق مقاصدهم. وكان تلميذه وخلفه فى الوزارة أبو عبد الله بن زمرك، أكبر مروج لهذه الدعاية، وتولى صوغ الإتهام القاضى أبو الحسن على بن عبد الله النباهى عدو ابن الخطيب الألد، وأفتى بوجوب حرق كتبه التى تتناول العقائد والأخلاق، فأحرقت فى غرناطة بمحضر من الفقهاء والمدرسين والعلماء "لما تضمنته من المقالات التى أوجبت ذلك عندهم وحققته لديهم" (سنة ٧٧٣ هـ) (١). ووجه أبو الحسن إلى ابن الخطيب بالمغرب رسالة شديدة، ينوه فيها بما ارتكبه من الطعن فى حق النبى، ويقول: "فإنه نقل عنكم فى هذا الباب أشياء منكرة، يكبر فى النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها وهى التى زرعت فى القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل، من وجه آخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص السلطة عنكم، لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات لطلب الحق منكم". ثم يعدد مثالبه فى الحكم قائلا: "فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول، ما صدر من العبث، فى الإبشار والأموال، وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر، فى غالب الأحوال، للشريف والمشروف والخادم والمخدوم" (٢). وسجل القاضى أبو الحسن تهمة الزندقة على ابن الخطيب، وصادق السلطان على حكمه، وأرسل القاضى رسله إلى السلطان عبد العزيز، يطالب بتنفيذ حكم الشرع فى الوزير الملحد وهو الإعدام، فأنف السلطان لطلبه وعنف رسل الأندلس، وقال لهم: "هلا أنفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم، وأنتم عالمون بما كان عليه" وردهم خائبيين، وزاد فى إكرام ابن الخطيب ورعايته (٣).


(١) كتاب المرقبة العليا، أو تاريخ قضاة الأندلس لأبى الحسن النباهى المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال ص ٢٠٢.
(٢) نفح الطيب ج ٣ ص ٦٩.
(٣) راجع ابن خلدون فى كتاب العبر ج ٧ ص ٢٣٥ و ٢٣٦، ونفح الطيب ج ٣ ص ٦٧ و ٦٨

<<  <  ج: ص:  >  >>