للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعد أن حصل على ألقاب الملك، يجيش بمشروع ضخم، هو أن ينتزع ولاية العهد من الخليفة الضعيف الساذج، وأن يقضي بذلك نهائياً على تراث بني أمية، وينقل رسوم الخلافة جملة إلى أسرة بني عامر، فتخلف أسرة بني أمية في ملك الأندلس. وقد رأينا فيما تقدم كيف أن أباه المنصور، بالرغم من قوة نفسه، وعريض سلطانه، كان ينأى عن المغامرة بمثل هذه المشاريع الدقيقة، لأنه كان يدرك بذكائه، وبعد نظره، أنها تنطوي على أخطر العواقب، وأنه لم يقدم على اتخاذ ألقاب الملك إلا بعد طول روية وأناة، وأنه كان أبداً حريصاً على ْالإبقاء على رسوم الخلافة وأوضاعها. وقد حذا ولده عبد الملك المظفر حذوه في حرصه وتعقله. ولكن عبد الرحمن لم يكن إلا فتى طائشاً، متعجلا، كثير الغرور، قصير النظر. وقد وصف لنا ابن حيان موقفه من المشروع في تلك العبارات القوية: " وقد تقدم القول في سبب تعلق هذا الجاهل بدعوى الخلافة، عجرفية من غير تأويل ولا عقيدة، وكيف استهواه كيد الشيطان، وغرته قوة السلطان إلى أن ركبها عمياء مظلمة، لم يشاور فيها نصيحاً، ولا فكر في عاقبة، بل جبرها بالعجلة " (١).

وخلا عبد الرحمن بالخليفة، وأطال التقرب منه، وعرض عليه مشروعه، ويقال إنه أقنعه بأنهما على صلة رحم من ناحية الخؤولة، إذ ولد كلاهما من أم بشكنسية (نافارية) (٢). ويقال من جهة أخرى، إن عبد الرحمن دس إلى الخليفة من هدده بالويل، وأنذره بأن عبد الرحمن قد اعتزم الفتك به، إذا لم يمنحه ولاية عهده (٣). ويقال أيضاً إن هشاماً استفتى في ذلك فقهاء قرطبة وعلماءها، فأقروه على ما طلب. وكان أشد الساعين لتأييد عبد الرحمن، قاضي الجماعة أبو العباس ابن ذكوان، وكاتب الإنشاء أبو حفص بن برد (٤). وعلى أي حال فقد استجاب هشام المؤيد إلى طلب عبد الرحمن. وخرج أصحابه عشية ذلك اليوم، يذيعون الخبر على الملأ، ويقولون إن الخليفة قد اختاره ولياً لعهده، إذ ليس له ولد يؤمل خلافته، وكثر الإرجاف لذلك.


(١) أعمال الأعلام ص ٩١؛ والبيان المغرب ج ٣ ص ٤٣.
(٢) البيان المغرب ج ٣ ص ٤٢.
(٣) البيان المغرب ج ٣ ص ٣٩.
(٤) ابن الأبار في الحلة السيراء ص ١٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>