للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان ابن زيدون أيام تمتعه بثقة بني جهور. قد أنشأ في مديحهم عدد من غرر قصائده، ومنها الأبيات الآتية:

لولا بنو جهور ما أشرقت بهم ... غيد السوالف في أجيادها تلمع

قوم متى تحتفل في وصف سؤددهم ... لا يأخذ الوصف إلا بعض ما يدع

أبو الوليد قد استوفى في مناقبهم ... فللتفاريق منها فيه مجتمع

من مهذب أخلصته أوّليته ... كالسيف بالغ في أخلاصه الصنع

إن السيوف إذا طاب جوهرها ... في أول الطبع لم يعلق بها الطبع

واستمرت الأحوال على انتظامها حيناً، ولكن أبا الوليد ما لبث أن تنكب عن سياسة أبيه، فقدّم على الناس ولده عبد الملك، وأخذ عليهم العهد له، فأساء عبد الملك السيرة، واستبد بالسلطة. وأفسح المجال للأوغاد، وأهمل الشئون، وتسمى بذي السيادتين المنصور بالله. الظافر بفضل الله. وخطب له على المنابر، وذلك خلافاً لما جرى عليه أبوه وجده من قبل، من الاعتصام بالحلم والتواضع، والزهد في مظاهر السلطان. وفي سنة ٤٤٠ هـ، فوض عبد الملك النظر في الأمور إلى وزير أبيه إبراهيم بن يحيى المعروف بابن السقاء، فضبطها وأصلحها، وعمل على تهدئة الأحوال، وتوطيد الأمن والنظام، واستمر ابن السقاء في النظر مدة طويلة. وكان المعتضد ابن عباد أمير إشبيلية يشعر بأن استمرار هذا الوزير القوي على هذا النحو في رياسة حكومة قرطبة، يحول دون تحقيق مشاريعه في الاستيلاء عليها، فسعى لدي عبد الملك في حق ابن السقاء، وحذره من أطماعه واستئثاره بالسلطة وأغراه بقتله، وكان عبد الملك سيىء الرأي والتقدير، فاستمع لتحريض ابن عباد، وقتل وزيره في كمين دبره (٤٥٥ هـ - ١٠٦٣ م) (١).

وهنا بدأت عوامل الفساد تدب إلى جهاز الحكم، وزاد في سوء الحال ما حدث من التنافس بين عبد الملك وأخيه الأكبر عبد الرحمن. وكان أبو الوليد يؤثر ولده الأصغر عبد الملك بمحبته، وكان عبد الرحمن من جانبه يدعي أنه أحق بالولاية من أخيه، فوقع التنافس بين الأخوين، وأخذ كل منهما يستميل طائفة من الجند.

ويؤلف الأحزاب لمناصرته، فلما تفاقم الأمر. وخشي أبو الوليد العواقب، عمد


(١) البيان المغرب ج ٣ ص ٢٣٢ و ٢٥١ و ٢٥٦، وأعمال الأعلام ص ١٤٩.
(٢) الذخيرة القسم الأول المجلد الثاني ص ١١٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>