للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان في بيته في خدمة أهله، ولم يكن ينتقم لنفسه قط، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى شيء يسير، فكان متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليِّن الجانب لهم، فيجب على الدعاة أن يقتدوا به صلى الله عليه وسلم (١).

ثامنا: محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ظهر في هذا الحديث محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا شق عليهم ما حصل من سبق قعود الأعرابي لناقة النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال أنس رضي الله عنه: " فشق ذلك على المسلمين ".

ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم من علامات كمال الإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين» (٢).

فينبغي للداعية أن يحب الله ورسوله حبا كاملا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٣).

تاسعا: ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم وفطنته: النبي صلى الله عليه وسلم أذكى البشر وأفطنهم، ولا يحتاج ذلك إلى استدلال، ولكن المقصود هو استنباط ما يدل عليه الحديث من الفوائد والدروس الدعوية. وهذه الفائدة مأخوذة من قول أنس رضي الله عنه: " فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه " أي حتى عرف صلى الله عليه وسلم أثر المشقة في وجوههم (٤).


(١) انظر: مدارج السالكين لابن القيم ٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وفتح الباري لابن حجر ٦/ ٧٤، ١١/ ٣٤١، وعمدة القاري للعيني، ١٤/ ١٦٢.
(٢) متفق عليه: البخاري، ١/ ١١، برقم ١٥، ومسلم، ١/ ٦٧، برقم ٤٤، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٩، الدرس العاشر، ص ١١٤.
(٣) متفق عليه: البخاري، ١/ ١١، برقم ١٦، ومسلم، ١/ ٦٦، برقم ٤٣، وتقدم تخريجه في الحديث رقم ٩، الدرس الثالث، ص ١٠٩.
(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٦/ ٦٤، ١١/ ٣٤١.

<<  <  ج: ص:  >  >>