للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال أبو بكر: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا صدقة"، إنما يأكل آل محمّد في هذا المال وإنّي والله لا أغيّر شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملنّ فيها بما عمل به رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت (١) وعاشت بعد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلا ولم "يؤذن بها أبا بكر (٢) وصلّى عليها، وكان لعلي من النّاس وجه (٣).

حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه النّاس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينّهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهّد عليّ فقال: إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنّك استبددت علينا بالأمر وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا، حتّى فاضت عينا أبي بكر، فلمّا تكلم أبو بكر قال: والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي وأمّا الّذي


(١) قال الإمام القرطبي رحمه الله: "لم تلتق بأبي بكر لشغلها بمصيبتها برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولملازمتها بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" [متفق عليه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: البخاري برقم ٦٠٧٧، ومسلم برقم ٢٥٦٠]، وهي أعلم الناس بما يحل من ذلك ويحرم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدة نساء أهل الجنة؟ ". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.
(٢) قال الإمام القرطبي رحمه الله: "دفن عليّ لفاطمة ليلا، يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في صيانتها، وكونه لم يؤذن أبا بكر بها، لعله إنما لم يفعل ذلك؛ لأن غيره قد كفاه ذلك، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهي عنه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها، ولا صلى عليها، ولا شاهد جنازتها بل اللائق بهم المناسب لأحوالهم حضور جنازتها، ولا تسمع أكاذيب الرافضة المبطلين الضالين المضلين". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.
(٣) "وكان لعلي من الناس وجه: أي جاه واحترام. قال الإمام القرطبي رحمه الله: "كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها؛ لأنها بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكّر انصرف الناس عن ذلك الاحترام، ليدخل فيما دخل فيه الناس ولا يفرق جماعتهم، ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام". المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٥٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>