للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مكث معاوية سدد خطاكم عشرين سنة أميرًا على الشام في خلافة عمر وخلافة عثمان - رضي الله عنهما -، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.

فتح معاوية قيسارية (١) سنة تسع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب سدد خطاكم. وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص. ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها.

ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم، وكان الحق والصواب مع علي سدد خطاكم، ومعاوية سدد خطاكم معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام - (٢).

ولما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي - رضي الله عنهما - ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي عليسدد خطاكم، وطمع في معاويةَ ملكُ الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي - رضي الله عنهما - تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: «والله لئِنْ لم تَنْتَهِ وترجع إلى بلادك يا لعين، لأصْطَلِحَنَّ أنا وابنُ عمي عليك، ولأخْرِجَنَّكَ من جميع بلادك، ولأضَيِّقَنَّ عليْكَ الأرضَ بما رحُبَتْ».


(١) قيسارية وتلفظ أيضا (قيسرية أو قيصرية)، مدينة كانت من أهم المدن في دولة سلاجقة الروم، تقع جنوبي مدينة سيواس إلى الشرق. وهناك مدينة بهذا الاسم في فلسطين تقع على ساحل البحر المتوسط في منتصف الطريق بين مدينتي حيفا ويافا.
(٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «تَكُونُ فِي أُمَّتِي فِرْقَتَانِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم: «هَذِهِ الرِّوَايَات صَرِيحَة فِي أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - كَانَ هُوَ الْمُصِيبَ الْمُحِقَّ، وَالطَّائِفَة الْأُخْرَى أَصْحَاب مُعَاوِيَة - رضي الله عنه - كَانُوا بُغَاة مُتَأَوِّلِينَ، وَفِيهِ التَّصْرِيح بِأَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مُؤْمِنُونَ لَا يَخْرُجُونَ بِالْقِتَالِ عَنْ الْإِيمَان وَلَا يَفْسُقُونَ».

<<  <  ج: ص:  >  >>