للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقول أبو حامد الغزالي ". . . . العلوم ما عددناها وما لم نعدها، ليست أوائلها خارجة عن القرآن، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له، وأن البحر لو كان مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد، فمن أفعال الله تعالى وهو بحر الأفعال مثلا الشفاء والمرض كما قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (١) (الشعراء: ٨٠) وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله. . . . ومن أفعاله تقدير معرفة الشمس والقمر ومنازلهما بحسبان، وقد قال الله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} (٢) (الرحمن: الآية ٥) وقال: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (٣) (يونس من الآية ٥) وقال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (٤) (يس: الآية ٣٨) ولا يعرف حقيقة سير الشمس والقمر بحسبان، وخسوفهما، وولوج الليل في النهار، وكيفية تكور أحدهما على الآخر، إلا من عرف هيئات تركيب السماوات والأرض، وهو علم برأسه، ولا يعرف كمال معنى قوله: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (٥) {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} (٦) {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} (٧) (الانفطار ٦ - ٨) إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها. . . . وفي القرآن مجامع علم الأولين والآخرين، وكذلك لا يعرف كمال معنى قوله: {سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} (٨) (ص: من الآية ٧٢) ما لم يعلم التسوية والنفخ والروح، ووراءها علوم غامضة يغفل عن طلبها أكثر الخلق وربما لا يفهمونها إن سمعوها من العالم بها ".

معنى ذلك أن الإسلام يدعونا لا إلى العلم فحسب، بل إلى التبصر والوقوف على أسرار العلم، ودقائقها، وبالجملة فهم حكمتها، وأهم حكمة يتعين الوقوف أمامها هي حكمة التشريعات الإسلامية، بحسبانها مجامع العلوم


(١) سورة الشعراء الآية ٨٠
(٢) سورة الرحمن الآية ٥
(٣) سورة يونس الآية ٥
(٤) سورة يس الآية ٣٨
(٥) سورة الانفطار الآية ٦
(٦) سورة الانفطار الآية ٧
(٧) سورة الانفطار الآية ٨
(٨) سورة ص الآية ٧٢