للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

صلبوه، لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم الصلب والقتل فلا يكون رفعها وحدها ردا عليهم؛ ولأن ذلك مقتضى كمال عزته وقوته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (١) وقال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} (٢) فأخبر سبحانه بأن جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى قبل موته، أي موت عيسى، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام كما سيجيء بيانه في حديث نزوله، وهذا المعنى هو المتعين فإن الكلام سبق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى رعاية لسياق الكلام، وتوحيدا لمرجع الضميرين، وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (٤)» الآية. وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم (٥)» وثبت في الصحيح أيضا أن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «" لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة (٦)» قال: «" فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة (٧)» فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه


(١) سورة النساء الآية ١٥٨
(٢) سورة النساء الآية ١٥٩
(٣) صحيح البخاري البيوع (٢٢٢٢)، صحيح مسلم الإيمان (١٥٥)، سنن الترمذي الفتن (٢٢٣٣)، سنن أبو داود الملاحم (٤٣٢٤)، سنن ابن ماجه الفتن (٤٠٧٨)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٢٧٢).
(٤) سورة النساء الآية ١٥٩ (٣) {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}
(٥) صحيح مسلم الإيمان (١٥٥، ٨)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦١٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، سنن أبو داود السنة (٤٦٩٥)، سنن ابن ماجه المقدمة (٦٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/ ٥٢)، باقي مسند المكثرين (٢/ ٣٣٦).
(٦) صحيح مسلم الإيمان (١٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٨٤).
(٧) صحيح مسلم الإيمان (١٥٦)، مسند أحمد بن حنبل (٣/ ٣٨٤).