للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ويذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم هذا الخبر العظيم فيقول في أول سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (١)

وسورة الإسراء تتحدث عن المسجد الأقصى وإسراء النبي إليه، وتقرر أن هذا المسجد الذي بني بعد البيت الحرام بأربعين سنة، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل (٢)». فعاد للمسجد بالإسراء قدسيته وطهره حيث كان المسجد خرابا يبابا لا يصلي فيه أحد إلى أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم فتقررت مسجديته في القرآن، واستلمه عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من الكناسة وطهروه وأصبح من يومها منارة علم، ودار إيمان، ومحجة زوار، ومحراب صلاة.

إذن سورة الإسراء تتحدث عن علاقة المسلمين بالمسجد، وأن المسجد للمسلمين حيث أسري بنبيهم إليه، وتقرر بركة أرض الشام أو أرض فلسطين، وتبدأ بعد ذلك في الحديث عن الفساد والعلو لليهود والتدمير الذي سيلحق بهم، وأنهم سينازعون المسلمين أرض الإسراء والمسجد الأقصى.

وهنا لا بد أن نقرر أن علماء التفسير اختلفوا اختلافا كبيرا في (العلوين والإفسادين) اللذين أشارت إليهما الآية وهي قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (٣) {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} (٤). . فقال قوم هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم، فهو وقومه أولو بأس شديد. وقال مجاهد: جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم بختنصر. وقال محمد بن إسحاق: إن المهزوم سنحاريب ملك بابل. وقيل: إنهم العمالقة، إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة، ونحن حين ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء الآتية:


(١) سورة الإسراء الآية ١
(٢) صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (٣٣٦٦)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٠)، سنن النسائي المساجد (٦٩٠)، سنن ابن ماجه المساجد والجماعات (٧٥٣)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ١٥٦).
(٣) سورة الإسراء الآية ٤
(٤) سورة الإسراء الآية ٥