للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

٤ - ورعه:

كان إنفاق عبد الرحمن ف‍يضا متدفقا، وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على ورعه وتقواه: وقد رآه أحد الصالحين يطوف بالبيت وهو يقول: (اللهم قني شح نفسي) (١).

ووصفه أحد المقربين إليه فقال: (كان جليسا لنا ونعم الجليس، فانقلب بنا ذات يوم إلى منزله، فدخل فاغتسل، ثم أتانا بقصعة فيها خبز ولحم، ثم بكى، فقلنا: ما يبكيك يا أبا محمد! قال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهله من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا) (٢).

وأتي بطعام وكان صائما. فقال: (قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في بردته إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا ما بسط، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا)، ثم جعل يبكي (٣).

وكان إذا أتى مكة، كره أن ينزل منزله الذي هاجر منه، وهو منزله الذي كان ينزله في الجاهلية (٤)، ولا ينزله - ورعا - بعد إسلامه.

وقد ذكر المسور بن مخرمة بن نوفل بن عبد مناف بن زهرة، وأمه أخت عبد الرحمن بن عوف. وكان يعدل بالصحابة وليس منهم (٥) أن عبد الرحمن لما ولي الشورى كان أحب الناس إلى المسور أن يلي عبد الرحمن الخلافة، فإن تركها فسعد بن أبي وقاص، قال: (فلحقني عمرو بن العاص، فقال: ما ظن خالك بالله إن ولي هذا الأمر أحدا وهو يعلم أنه خير منه؟ فأتيت عبد الرحمن فذكرت له ذلك، فقال: من


(١) الاستيعاب (٢/ ٨٤٧).
(٢) الإصابة (٤/ ١٧٧)، وحلية الأولياء (١/ ٩٩ - ١٠٠).
(٣) أسد الغابة (٣/ ٣١٦)، وحلية الأولياء (١/ ١٠٠)، وانظر مغازي الواقدي (١/ ٣١١).
(٤) طبقات ابن سعد (٣/ ١٣١)
(٥) انظر المعارف (٤٢٩).