للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[محاولة أخرى]

بعد فشل ثورة ابن حفصون تجددت محاولات الفاطميين للسيطرة على الأندلس بعد إعلان قيام الخلافة الأموية فيها، وكان ما قام به أحد أعوان الخليفة الفاطمي، وهو الجغرافي المعروف ابن حوقل منتحلاً شخصية تاجر، ليدرس ظروف الأندلس ومدى قوتها العسكرية، تمهيداً لغزو الأندلس (١)، ولكن كان للظروف دورها في حسم الصراع بين الخليفتين الأموي والفاطمي، وإنقاذ الأندلس من غزو مرتقب على يد الدولة الفاطمية، لأن خصومة الشيعة مع العباسيين لم تكن أقل ضراوة منها مع الأمويين بل كانت لها الأولوية، وخاصة بعد خروج مصر من قبضة العباسيين منذ ولاية أحمد بن طولون في منتصف القرن الثالث الهجري (في أيام المستعين) (٢). وكان سقوط مصر بيد (جوهر) كبير قواد المعز الفاطمي (سنة ٣٥٨هـ) سبباً في تحول أنظار الفاطميين كلياً نحو الشرق، إضافة إلى شخصية عبد الرحمن الناصر القوية، فقد كان سياسياً مرناً وقائداً فذاً وإدارياً صلباً.

وكما كان الداخل يرغب في غزو الشام وانتزاعه من العباسيين، وإعادته لسيطرة الأمويين، كان الناصر أيضاً يرغب بشدة في توحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة الأموية، بل كان يهيئ نفسه وقواده لهذا المشروع الكبير، بعد إزالة الخلافة الفاطمية من أفريقية والمغرب، والإطاحة بخلافة بني العباس في المشرق، وكان عبد الرحمن الناصر يهتم بالجنود المغاربة ويعقد عليهم الآمال ويحثهم بشكل متكرر على الاستعداد لتحقيق هذا المشروع، ويرسل لهم الرسائل المتتابعة، كما أمر عماله في الأندلس بالتأهب والاستعداد وكان يريد بالإضافة إلى إحياء ملك أجداده أن يخلص الحجر الأسود من القرامطة، ولكن هذه الفكرة ظلت حبيسة المخيلة لم تتعداها، إذ لم تنزل حيز التطبيق وثبت أنه يستحيل تنفيذها لبعد الشقة


(١) صورة الأرض لابن حوقل: ص ١٤٠ وما بعدها. معجم البلدان: ١/ ٢٤٨.
(٢) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي: ٣/ ١ - ٦. وانظر: الدولة العربية في إسبانية للدكتور إبراهيم بيضون: ص ٢٩٢.

<<  <   >  >>