للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الأنبياء، فيه تعب آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار الخليل، وأضْرِجَ للذبح إسماعيلُ، وبيع يوسف بثمن بخس، وقاسى المرضَ أيوب، وكذا سيرة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين) (١).

إن من خصائص الداعية الكبير الهمة أنه لا يترخص في السكوت عند قوة أهل الفجور وأذاهم، لأنه يرى أن الترخيص هنا من شأن العامة من المستضعفين، وأما الدعاة، والقادة، والعلماء، فيتمسكون بالعزيمة، ويصدعون بالحق، وإن لحقهم الأذى والعذاب والموت، وقد تجسَّد هذا المعنى جليًّا في موقف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى من محنة القول بخلق القرآن، وهاك طرفًا منها كما يحكيه ابنه صالح:

قال صالح: قال أبي: (لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم، وقال: ائتوني بغيِرها، ثم قال للجلادين: "تقدموا"، فجعل يتقدم إليَّ الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: "شد، قطع الله يدك! "، ثم يتنحى، ويقوم الآخر، فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: "شد، قطع الله يدك! "، فلما ضُربت تسعة عشر سوطًا قام إليَّ، يعني المعتصم: وقال: "يا أحمد علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق"، قال: فجعل عُجيْف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: "أتريد أن تغلبَ هؤلاء كلهم؟ "، وجعل بعضهم يقول: "ويلكَ، الخليفة على رأسك قائم! "، وقال بعضهم: "يا أمير المؤمنين، دمُه في عنقي، اقتله! "، وجعلوا يقولون: "يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! "، فقال لي: "ويحك يا أحمد، ما تقول؟ "، فأقول: "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقول به"، فرجع


(١) "بصائر تربوية" ص (١٣٥).

<<  <   >  >>