للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومما يظنه بعض الناس قربة الغناء الذي يسمونه السماع، يقول ابن الجوزي: "وقد ادعى قوم أن هذا السماع قربة إلى الله عز وجل". ونقل عن بعضهم أنَّه يزعم "أن رحمة الله تتنزل عند السماع، ونقل عن ابن عقيل قوله: قد سمعنا من بعض العباد أن الدعاء عند حدوّ الحادي وعند حضور المخدّة (١) مجاب، وذلك أنَّهم يعتمدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال: وهذا كفر، لأنّ من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافرا، قال: والنّاس بن تحريمه وكراهيته" (٢).

[الفرقة الثانية]

لم تعد الحرام في ذاته قربة، بل جعلت الحرام وسيلة إلى الأمور التي يتقرب بها، وظنوا أن هذا يشفع لهم في ارتكاب المحذورات، فمن هؤلاء من يطلب المال بالطرق الحرام كالربا والظلم والخيانة والرشوة والتجارة فيما لا يحل كالمتاجرة بالخنزير والخمر وصناعة الأشياء التي تكره، كعمل الآنية من الذهب والفضة لمن يأكل فيها أو يشرب فيها، ويزعم هؤلاء أنهم "يريدون بأعمالهم هذه التطوع ويحتجون على ذلك بأنهم يعيلون عيالا صغارا، وقرابة مساكين، وبأنَّهم يوجهون ذلك في سبيل الله عز وجل" (٣).

يقول الغزالي -رحمه الله- في هذا الموضوع: "المعاصي لا تتغير عن موضعها بالنية، فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيّات"، فيظنُّ أنَّ المعصية تنقلب طاعة.

ومثل لهذا بالذي "يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره، أو يطعم فقيرا مال غيره، أو يبني مدرسة أو مسجدا، أو رباطا بمال حرام، وقصده الخير" (٤).


(١) المخدة آلة الطرب لأنها توضع على الخدّ.
(٢) تلبيس إبليس ص ٢٧٧ - ٢٧٨، وكلام ابن عقيل بالتكفير يتوجه على من علم الحرمة ثم اعتقد كونها قربة، أما من خالف بنوع من الجهل أو التأويل فأمره مختلف.
(٣) الرعاية ص ٩٢ بتصرف يسير.
(٤) إحياء علوم الدين ٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩.

<<  <   >  >>