للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: حكى لى رجل صالح من أهل حرّان (١) قال: لما قُتل أتابك زنكي على قلعة جعبر (٢)، وملك نور الدين قلعة حلب، تصدَّق وأزال المكوس ورد المظالم وأنا حديث عهد بعرس، وقد ركبني دين، فقالت لي زوجتي: قد سمعتُ أوصاف نور الدين، وإحسانه إلى الناس، فلو قصدته وأنهيت إليه حالك (٣) لقضى دينك، قال: فخرجت من حرّان وليس معي سوي درهمين، فتركت عندها درهمًا، وتزودت بدرهم، وأتيت الفرات وقت القائلة، فعبرت جسر منبج (٤)، وأبعدت عن أعين الناس، وخلعت ثيابي، ونزلت فتوضأت للصلاة، وصليت ركعتين، وإذا إلى جانبي شخص، ملفوف في عباءة، فقال لي: يا فقير من أين أنت؟ قلت: من حران، قال: وإلى أين؟ قلت: إلى حلب، قال: وما تصنع فيها؟ فقلت: أنا فقير مديون، وقد بلغني إحسان نور الدين إلى الخلق، فقصدته لعله يقضي ديني، فقال: وأين أنت من نور الدين؟ ومن يوصلك إليه؟ كم عليك دين؟ قلت: خمسون دينارا، فأخرج يده من العباءة، وبحث [في] (٥) الرمل، وأخرج منه قرطاسا وألقاه إليّ، وقال: خذ هذا فاقض به دينك، وارجع إلى أهلك: قال: فأخذته فعددته، وإذا به خمسون دينارا، فالتفتُ فلم أره، فبهتُ وبتُ في مكاني [أتفكر] (٦) هل أرجع إلى حران، أم أمضي إلى حلب، وترجح عندى المضي إلى حلب، وقلت في نفسي: فهذه أوفي بها ديني، فمن أين أتقوَّت؟.

ثم قمت وقصدت طريق حلب، فبتُ بباب بزاعة (٧)، وقمت في الليل، فأصبحت تحت قلعة حلب وقت الصباح، وقعدت تحت القلعة، وإذا قد فتح بابها، ونزل نور الدين في أبهة عظيمة، والأمراء بين يديه، حتى جاء إلى الميدان، فلما أراد أن يدخل، نظر إليَّ فرمقني طويلا، وأشار إلى خادم بين يديه، فجاء الخادم إلى، وقال: قم، فأخذني،


(١) حران: قصبة ديار مضر. وهي على طريق الموصل والشام والروم. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٢٣٠ - ٢٣٢.
(٢) جعير: هي على الفرات بين بالس والرقة، قرب صفين. وكانت قديمًا تسمى دوسر. انظر: معجم البلدان، ج ٢، ص ٨٤.
(٣) "ذلك" في نسخة ب.
(٤) منبج: بلد قديم، بين الفرات وحلب. انظر: معجم البلدان، ج ٤، ص ٦٥٤ - ٦٥٥.
(٥) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح من مرآة الزمان، ج ٨، ص ١٩٨.
(٦) "اذكر" في الأصل والمثبت من المرآة، وهو الأصح.
(٧) بزاعة: هي بلدة من أعمال حلب، بين منبج وحلب. انظر: معجم البلدان، ج ١، ص ٦٠٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>