للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شيء، وما يضركم أن أرمي بها في سبيل الله، فإن نفعت وإلا فاحسبني واحدًا منهم. فقال قراقوش: ما يضرنا ذلك، ثم نصب له المنجنيق وكان قد هيأ تلك القدور فرمي قدرة واحدة في برج فاحترق بمن فيه، ثم فعل ذلك بالثاني، والثالث، "فكبر المسلمون وسمع السلطان وكبروا العساكر" (١) وفرح قراقوش والأمراء وطموه بالخلع والأموال، فلم يأخذ شيئًا وقال: أنا فعلت هذا لله تعالى ولم آخذ عليه شيئًا في الدنيا، وكان السلطان أيضًا قد عرض عليه العطية السنية فامتنع من قبولها، وقال إنما عملت هذا ابتغاء وجه الله تعالى فلا أريد منكم جزاء ولا شكورا.

[ذكر وصول الأصطول من مصر]

كان السلطان قد أمر بتعمير أصطول آخر من مصر، تصل فيه الميرة، والذخيرة والعدد الكثيرة. فلما كان ظهر يوم الخميس ثامن جمادى الأول، ظهر الأصطول فركب السلطان في جحافله ليشغل الفرنج عن قتال الأصطول، وعمّر الفرنج أيضًا أصطولا، وصفّ شوانيه على البحر عرضا وطولا، وأرادوا أن يلاقوا الأصطول المنصور، فجاءت مراكب الموحدين ونطحت مراكبهم وطحنتها، وأخذ المسلمون لهم مركب وأخذ الإفرنج للمسلمين مركبا وكان التقصير من الرؤساء. واتصل الحرب في البرّ إلى حين غروب الشمس، وعاد المسلمون مسرورين وقتل من الإفرنج عدد كثير لعنهم الله.

وقال القاضي بهاء الدين (٢) [٨٣] رحمه الله: التقى الأصطولان في البحر والعسكران في البرّ، واضطرمت نار الحرب، وباع كل فريق روحه براحته الأخروية، ورجح حياته الأبدية على حياته الدنياوية، وجرى بين الأصطولين قتال شديد، انقشع عن نصرة الأصطول الإسلامي وأخذ منه شيني، وقتل من فيه ونهب جميع ما فيه وظفر [من] (٣) العدو أيضا بمركب كان واصلا من قسطنطينية، ودخل الأصطول [المنصور] (٤) إلى عكا واتصل القتال بين العسكرين من خارج البلد إلى أن حجز بينهما الليل، وقد قتلوا من الإفرنج خلقًا كثيرا؛ لأنهم قاتلوا في ثلاثة مواضع في البحر والبر من داخل عكا.


(١) عن تفاصيل هذه الأبراج انظر مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٥٧ - ٢٥٨؛ الكامل، ج ١٠، ص ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) النوادر السلطانية، ص ١٢٢ - ١٢٣؛ الفتح القسى، ص ٣٨٥: الروضتين جـ ٢، ص ١٥٤؛ البداية والنهاية، جـ ١٢، ص ٣٣٦؛ مفرج الكروب، جـ ٢، ص ٣١٧.
(٣) ما بين الحاصرتين مثبت من النوادر السلطانية، ص ١٢٢.
(٤) "المصري" كذا في الأصل والمثبت من النوادر، ص ١٢٢؛ الروضتين، ص ١٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>