<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فهذا أبو سعيد الخدري رضي الله عنه لما سمع بمقالة ابن عباس رضي الله عنهما الأولى في الربا – قبل أن يرجع عنها – وهي حديث (إنما الربا في النسيئة) قال أبو سعيد له ((أرأيت هذا الذي تقول شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو وجدته في كتاب الله عز وجل؟)) .

فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله - صلى الله عليه وسلم - مصداقاً لقوله تعالى: (يا أيها الذي آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وكان أحدهم رضي الله عنهم يغضب إذا عورض حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين رضي الله عنه ذكر لأصحابه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) فقال أحدهم وهو بشير بن كعب ((أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقاراً ومنه سكينة)) فقال عمران ((أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحدثني عن صحفك)) ! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال ((ألا أراني أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعارض فيه)) قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به)) (1) قال النووي ((وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة)) .


(1) مسلم بشرح النووي (2/7) .

<<  <  ج: ص:  >  >>