للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} لَعِبْرَةً، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قُدْرَتَنَا. {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} يُقَالُ: كَانَ النَّاجُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ، {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} أَيْ: تَعْلَمُونَ أَنَّهَا فَاحِشَةٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَرَى بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَكَانُوا لَا يَسْتَتِرُونَ عُتُوًّا مِنْهُمْ. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ. {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا} قَضَيْنَا عَلَيْهَا وَجَعَلْنَاهَا بِتَقْدِيرِنَا، {مِنَ الْغَابِرِينَ} أَيِ: الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ. {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} وَهُوَ الْحِجَارَةُ، {فَسَاءَ} فَبِئْسَ، {مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} هَذَا خِطَابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَلَى هَلَاكِ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَقِيلَ: عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ. {وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ (١) دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ".

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٢) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٣) . وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ (٤) {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: {يُشْرِكُونَ} بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، يُخَاطِبُ أَهْلَ مَكَّةَ، وَفِيهِ إِلْزَامُ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ هَلَاكِ الْكُفَّارِ، يَقُولُ: آللَّهُ خَيْرٌ لِمَنْ عَبَدَهُ، أَمِ الْأَصْنَامُ لِمَنْ عَبَدَهَا؟ وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ نَجَّى مَنْ عَبَدَهَ مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْأَصْنَامُ لَمْ تُغْنِ شَيْئًا عَنْ عَابِدِيهَا عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ.

{أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) }

{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} مَعْنَاهُ آلِهَتُكُمْ خَيْرٌ أَمِ الذي خلق السموات وَالْأَرْضَ، {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يَعْنِي الْمَطَرَ، {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ} ؟ بَسَاتِينَ جَمْعُ حَدِيقَةٍ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْحَدِيقَةُ الْبُسْتَانُ الْمُحَاطُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ، {ذَاتَ بَهْجَةٍ} أَيْ: مَنْظَرٍ حَسَنٍ، وَالْبَهْجَةُ: الْحُسْنُ يَبْتَهِجُ بِهِ مَنْ يَرَاهُ، {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} أَيْ: مَا يَنْبَغِي لَكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا. {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} اسْتِفْهَامٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ، أَيْ: هَلْ مَعَهُ مَعْبُودٌ سِوَاهُ أَعَانَهُ عَلَى صُنْعِهِ؟ بَلْ لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ} يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، {يَعْدِلُونَ} يُشْرِكُونَ. {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا} لَا تَمِيدُ بِأَهْلِهَا، {وَجَعَلَ خِلَالَهَا} وَسَطَهَا (٥) {أَنْهَارًا} تَطْرُدُ بِالْمِيَاهِ، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} جِبَالًا ثَوَابِتَ، {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ} الْعَذْبِ وَالْمَالِحِ، {حَاجِزًا}


(١) وهو مروي عن عبد الرحمن بن زيد، ورواه أبو صالح عن ابن عباس. انظر: زاد المسير: ٦ / ١٨٤، ابن كثير: ٣ / ٣٧٠.
(٢) رواه الطبري عن ابن عباس وسفيان الثوري وهو رواية السدي. قال ابن كثير: ولا منافاة بينهما، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. انظر: الطبري: ٢٠ / ٢، زاد المسير: ٦ / ١٨٥، الدر المنثور: ٦ / ٣٧٠ تفسير ابن كثير: ٣ / ٣٧٠، معاني القرآن للنحاس: ٥ / ١٤٣.
(٣) انظر: زاد المسير: ٦ / ١٨٥ فقد عزاه لابن السائب.
(٤) فيما روى عطاء عن ابن عباس: أنهم الذين وحدوا الله وآمنوا به. انظر: زاد المسير: ٦ / ١٨٥.
(٥) ساقط من "أ".

<<  <  ج: ص:  >  >>